فطن الإنسان منذ بداية الخليقة إلى ما يحيط ويحيق به من شرور ومنها الحيوانات والوحوش المفترسة، ولكي يحمي نفسه منها ابتدع أسلحة مضادة واستخدم النار لحراسته عند بوابات الكهوف والأكواخ حين نومه، والتي كانت تهدده بصورة مستمرة تخلص منها بقتلها، او حبسها في الأقفاص التي صنعها من أغصان الأشجار، وحينما شعر انها تتغلب أحيانا على القفص الهش واللين وتعرف معدن الحديد، صب لها الحديد لتصبح اقفاصه شديدة لا تكسر ولا تلين..

ولأن الانسان في طبعه التحدي ومن شيمته انه لا يرضى ان يحني رأسه ولا يعترف ان تخور قواه، ابتدع أسلوب الترويض، ترويض الوحوش الكاسرة، فروض الطير الجارح وروض ذات الناب والمخالب، وحينما تمكن الإنسان من ترويض الوحش راح يتباهى بقدرته وفطنته في استئناس الكواسر، وتمادى في أساليب الترويض ليكسب بذلك المزيد من المعرفة المعتمدة على الذكاء والحاح الحاجة..

الصور التي تأتينا من غرف الدم والموت من مستشفى الشفاء في غزة، عن جثث الأطفال والنساء والرجال التي امتلأت بهم الثلاجات، وعن بقايا الأجساد الملقاة على الأسرة وعلى بلاط الغرف والممرات والتي تصارع من اجل البقاء، وإنصاف الأجساد التي قطعت أوصالها قنابل الإجرام الصهيوني، كلها تكشف عن وحش كاسر.

وحش غادر يمارس التقتيل بأنيابه الحادة..إسرائيل دولة وحوش ومرتزقة جاءت بهم سفن الجيش البريطاني إلى ارض فلسطين قبل ان نولد وأطلقتهم ينهشون في الجسد الفلسطيني منذ عشرات السنين، ومنذ ذلك التاريخ وأنياب هذا الوحش لا تكل ولا تمل من النهش والارتواء من دماء العرب والمسلمين، بل بالعكس وجدت لها من يساندها ومن يطبب مخالبها وأنيابها ويرممها في حال تعرضت للتلف او الخدش..

هذا الوحش آذانا كثيرا وآلمنا وأكل من لحمنا وشرب من دمائنا، ولم نعمل على إيقاف اذاه بقتله او ترهيبه وجعله يهاب الاقتراب منا، او على الأقل لم نعمل على تطويقه وتسويره بين قضبان قفص حديدي كما فعل إنسان الكهف، ولم تحيلنا الحاجة الملحة ونحن أصحاب الفراسة إلى صد عبر ترويضه كما روض الإنسان الأول وحوشه، بل الذي حدث هو العكس، الوحش روضنا للاستسلام والخضوع لرغبته، بل وصرنا نستجيب بسرعة للانكسار عند سماع زارته الأولى.. كسرنا الوحش وغلبنا ويرعبنا حينما تبدو أنيابه واضحة وعيناه ترسل الشرر.

لم يروض العرب إسرائيل، بالرغم من المدى الزمني الواسع والكافي لأن تصبح كالكلبة التي تهز ذيلها أو تطويه خلفها عند مرآهم، لم تلهمهم الحكمة البسيطة عند إنسان الكهوف الأول..كسرنا نظام الطبيعة فينا.

mhalyan@albayan.ae