جاءت الاعتداءات التي قامت بها إسرائيل ضد شعب غزة لتؤكد عمليا توسع الدور الاقليمي التركي على حساب الدول المركزية إقليميا في السابق، خاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي، فخلال الأيام الأولى كانت تركيا محلا لزيارات وجهود دبلوماسية اشهرها زيارة وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط الذي سلم لها المبادرة المصرية لوقف القتال من أجل تسويقها لدى الأطراف المعنية، ثم قام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بزيارة لعدد من دول المنطقة منها سوريا والأردن ومصر والسعودية من أجل متابعة الجهود.

وقال أردوغان أثناء الزيارة إن جهوده الدبلوماسية تنصب على جمع توافق عربي على كيفية الخروج من هذه الأزمة، مشيراً إلى أنه لا يوجد مخطط للاتصال بالإسرائيليين لكنه ترك الباب مفتوحاً حين قال إنه في حال اقتضت الظروف الحديث مرة أخرى مع الإسرائيليين، فإنه سيطلب من أولمرت توضيحاً لشن الهجوم العسكري بعيد لقائهما معا في أنقرة قبل حوالي أسبوعين.

والتصريح الذي أطلقه أردوغان يعني أن الدور التركي لم يعد يقتصر فقط على الوساطة بين أطراف عربية وإسرائيل وإنما امتد ليصبح الوساطة بين أطراف عربية وهو ما يعني إما أنها استطاعت اختراق النظام الإقليمي العربي أو أن هذا النظام لم يعد يعمل بكفاءة.

ويعود هذا الأمر إلى عاملين الأول عودة الحرب الباردة بين الدول العربية بصورة ملحوظة بما أعادنا إلى أجواء الستينات من القرن الماضي، حيث برزت الحرب الكلامية بين الدول العربية ووسائل إعلامها بما وتر العلاقات العربية ؟

العربية وحال دون التوصل إلى إجماع عربي حول العديد من القضايا المصيرية وفتح الباب أمام التدخل الخارجي المتمثل في تركيا من أجل البحث عن الإجماع العربي.

وهناك أسباب متعددة لنمو هذا الدور التركي في مقدمتها أنها تتمتع بعلاقات جيدة مع كافة الأطراف سواء فيما يتعلق بالعلاقات الإقليمية أم بالعلاقات البينية بين الدول العربية، وهو الأمر الذي لا تتمتع به دول عربية رئيسية في الوقت الراهن في الوقت الذي يشهد فيه النظام الاقليمي العربي درجة قصوى من الاستقطاب السياسي. فضلا عن ذلك فإن هناك إطرافا عربية لا ترضى بالجلوس مع أطراف أخرى لأسباب تتعلق بتوازنات داخلية، وتركيا تستطيع ذلك.

يضاف إلى ذلك أن الدور التركي الرئيسي أصبح مطلوبا من قوى خارجية تسعى إلى تدشين نظام إقليمي شرق أوسطى كبديل عن النظام العربي، وهو الأمر الذي يبدو من تطورات إقليمية عديدة تلعب فيها تركيا دورا رئيسا، ولكن الجديد في التطور الأخير هو أن الدول العربية يبدو انه قبلت بهذا الوضع كأمر واقع لأنها اعتبرت تركيا هي الوسيط المقبول سواء فيما بينها أم بينها وبين إسرائيل.

ولا نعلم حتى الآن ما إذا كان هذا القبول يرجع إلى أنها أرادت أن تسرع بإنهاء القتال من أجل حماية الشعب الفلسطيني في غزة أم لأنها رأت انه لامناص من القبول به لاعتبارات عدة.

ونحن لا نستطيع أن نرجح سببا عن آخر ولكن السبب الحقيقي سوف يتضح من تطورات الأحداث، فإذا قامت تركيا بدورها بسهولة ومن دون معوقات فإن ذلك يرجح السبب الأول، أما إذا كانت هناك معوقات غير معلنة من دول في المنطقة فمعنى هذا أن الدول الرئيسية في المنطقة قررت أن تضع تركيا في اختبار من أجل إقناع القوى الخارجية أنها لا تستطيع القيام بالدور المأمول منها وأنه لامناص من الاستعانة بالدور العربي من خلال الدول العربية الرئيسية مثل مصر والسعودية.

فضلا عن ذلك فإننا كلنا نعلم أن هناك نزاعا على الأدوار في المنطقة منذ الفراغ الذي حدث بخروج دول عن دورها ومتطلباته وبزوغ قوى صاعدة اقتصاديا تريد أن ينعكس ذلك على دورها السياسي، فضلا عن وجود قوى أخرى لها مطامع من تحولات النظام من عربي إلى شرق أوسطي ومنها إيران وتركيا وإسرائيل.

وهو ما يعني أن تركيا أمامها معوقات عديدة لكي تصبح دولة إقليمية كبرى، منها ما هو متعلق بالمنافسة مع قوى أخرى ومنها ما هو متعلق بعدم قبول القوى القديمة بالتنازل عن دورها في هذا الوضع الانتقالي الذي يتشكل فيه نظام إقليمي جديد. ولكننا نستطيع أن نقول إن الأزمة الراهنة في غزة أعطت لتركيا ميزة إضافية سواء أمام دول وشعوب المنطقة أم أمام القوى الخارجية التي تريد تركيا أن تقنعها بهذا الدور من أجل أن تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي وتصبح بالتالي جسرا للتواصل بين المنطقة والعالم الإسلامي .

وفي قلبه منطقة الشرق الأوسط. ولكن الأمر يمكن أن يصبح واقعا في حال نجاحها في القيام بما تنتظره منها القوى الخارجية والإقليمية وهو أن تكون هي الوسيط الذي يلعب الدور الأكبر في تحقيق المصالحة الفلسطينية كمقدمة للوساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل لإحياء المسار الفلسطيني الإسرائيلي كما تقوم بدور في إحياء المسار السوري الإسرائيلي.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com