إذا كانت الإرادة العربية قد أخفقت في اختيار عكازها وسقطت في حفرة العجز بعدما فشلت في إقناع الإرادة الدولية من خلال مجلس الأمن وقف العدوان الصهيوني الهمجي على غزة، وإذا كان واضحاً الاختلاف العربي في التعامل مع هذه المجزرة التي تمارس بوحشية أمام مرأى العرب أنفسهم وقبل غيرهم، فإن إرادة الشعوب قد قالت كلمتها الفصل، باختلاف أجناسهم وأعراقهم ودياناتهم، لأن الظلم ظلم لا ينقسم على اثنين، والعدوان عدوان والقتل قتل. الألوف المؤلفة من الحناجر انطلقت تصرخ في وجه هذا الطغيان، أدانت العجز العربي وأدانت الصمت العالمي وما زالت.
اليوم وحينما نرى شواهد وأدلة هذا العجز العربي، وندرك أننا صوت غير مؤثر في العالم وإذا ما تألمنا وصرخنا، وإذا ما أصابنا مكروه، فمن أين لنا أن نتيقين من وجود مستقبل عربي آمن في ظل مظلة إرادة عربية صلبة تنتمي لأمتها وتفتديها بالغالي والنفيس؟ من أين له العربي أن يأمن على حياته وعياله ومقدراته في فيء الشجرة العربية؟ سؤال مقلق في الحاضر والمستقبل.
إن الترسانة الحربية العربية بانت أنها ترسانة محيدة وضيقة المدى، وتبدو فائدتها في عدمها سيان، فهي ترسانة لا يحسب لها حساب، ولا تخلق توازناً استراتيجياً، حتى وان بقت في أقبيتها ومخابئها، والدبلوماسية العربية ما زالت في حال استجداء وليس لها تأثير، صوتها منذور للريح، مشتت ومنثور في الهواء، لا يخلق حتى أدنى تأثيرات الجعجعة! وحده المواطن العربي يصرخ في الفراغ، يتألم في الفراغ، يحتج في الفراغ، يبكي في الفراغ ولا رجع ولا صدى يأتيانه سوى مزيد من التيه.
في فضاء غير آمن مثل هذا تصبح هناك ملايين الأسئلة، بقدر عدد تلك الحناجر الباكية في الشوارع والحواري والأزقة، من رجال ونساء وأطفال يصرخون ويرفعون اللافتات بحثاً عن إرادة مفقودة. فأي إرادة تريدها هذه الحناجر؟ وأي نوع من الدفع والحماسة يمكنه أن يوقظ هذه الإرادة العاجزة والنائمة في خدرها؟
في اليوم الثامن للمجزرة الدموية المطبقة على أهلنا في غزة تحت سقف عربي مثقوب، ليس هناك سوى ثابت واحد، واضح ومعلن، هو عداد رقم الضحايا والجرحى من الأطفال والنساء والرجال الأبرياء الذي يستمر في الارتفاع في مشهد مؤسف وأليم. أما الشارع العربي فإنه لا يمتلك اليوم حولا ولا قوة ولا حيلة، يعلن عجزه ويلعن واقعه ويندب إرادة أمة سفكت دماؤها على صخرة الخضوع. فأين هو المستقبل الآمن..بكى الرجال وبكاء الرجال عيب!.
