منذ أن نشر آدم سميث كتابه «ثروة الأمم» في 1776 وهو يعتبر البداية الحقيقية لعلم الاقتصاد، وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كان الاحتكار يعتبر ظاهرة استثنائية، و«المنافسة الكاملة» تعتبر النموذج المثالي للاقتصاد الرأسمالي. كانت السلع الزراعية، حتى نهاية القرن التاسع عشر، مازالت تعتبر هي الأصل، على الرغم من مرور أكثر من قرن على بداية الثورة الصناعية في انجلترا، وانتشارها بنجاح في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

ومن ثم كان النموذج النظري الذي يتصوره الاقتصاديون يتكون من عدد كبير من المنتجين الصغار (كما في الزراعة) ينتجون جميعا نفس السلعة وبنفس الصفات. نعم، كان آدم سميث واقتصاديو القرن التاسع عشر يتكلمون أحيانا عن الاحتكار، ولكن باعتباره استثناء من الأصل، وهم إذا ذكروه كانوا ينددون به لأن المحتكر يستغل المستهلكين والعمال، ويبيع السلعة بأكثر من نفقتها.

بينما يرضى المنتج في ظل المنافسة الكاملة بهامش بسيط من الربح (يسمى الربح العادي). في ظل الاحتكار، سواء كان احتكار السلعة بأكملها (كما في حالة وجود منتج واحد للسيارات في الدولة، أو شركة كهرباء واحدة) أو احتكار صنف من أصنافها (كصنف من السيارات أو الصابون.

أو مطعم له صفات معينة لا يماثله فيها منتج آخر) لا يستطيع المستهلك أن يتحول بسهولة إلى منتج آخر، فالمنتجون الآخرون لا ينتجون نفس السلعة أو نفس الصنف، ومن ثم يستطيع المحتكر استغلاله برفع السعر إلى ما يزيد بكثير عن نفقة الإنتاج. (ويمكن أن نقول شيئا مماثلا عن استغلال المحتكر للعمال).

ولكن مع مرور الزمن، وفي كافة البلاد، أخذت صورة المنافسة الكاملة في التضاؤل، وأمثلة الاحتكار في الانتشار. فنحن الآن محاطون (بل ونواجه في كل خطوة) بأمثلة لا تنتهي من الاحتكار، تزيد بكثير عما نصادفه من أمثلة المنافسة الكاملة، بل تكاد هذه المنافسة الكاملة أن تختفي وتقتصر على السلع الزراعية، إذا كان ينتجها عدد كبير من المنتجين الصغار، كما أن القطاع الزراعي كله تتضاءل بالتدريج أهميته في الاقتصاد ككل، ويتحول هو نفسه، شيئا فشيئا إلى مشروعات احتكارية تسيطر عليها شركات عملاقة.

المنافسة بين المنتجين تميل إذن إلى الاختفاء بالتدريج، ويتسع الميدان شيئا فشيئا لممارسة الاحتكار، ويقع المستهلك فريسة لاستغلال محتكر بعد آخر. بل إن الاحتكار لم يعد كما كان في الماضي وثيق الصلة بصفات ذاتية في السلعة أو الخدمة تجعلها بطبيعتها مثلا في الكهرباء أو السكك الحديدية، إذ لا يحتمل أي منهما، في العادة، أن ينتجها أكثر من منتج واحد كبير.

وسأضرب للقارئ بعض الأمثلة للتدليل على انتشار الاحتكار في الحياة الحديثة، ولأسباب لا علاقة لها بالصفات الذاتية للسلعة أو الخدمة. إني أقوم حاليا بالتدريس في جامعة بها مكان واحد لتناول الطعام. والطعام الذي يقدم فيه من نوع الوجبات السريعة التي لها مثيل في مواقع مختلفة من المدينة.

ولكن المركز الاحتكاري الذي يتمتع به بائع الطعام داخل الجامعة، يتمثل في أن أقرب منافس له يقع خارج أسوار الجامعة وعلى مسافة بعيدة. لهذا يحاول هذا البائع استغلالي واستغلال غيري من الأساتذة والطلبة، بتقاضي سعر مبالغ فيه بشدة ويزيد كثيرا عن نفقة الإنتاج، لأننا لا نجد له منافساً.

مثال آخر: فندق في وسط المدينة يتقاضى أسعارا خيالية لما يقدمه من مشروبات أو مأكولات، سواء من نزلاء الفندق أو الغرباء، دون أن تكون هناك علاقة بين هذه الأسعار وبين الصفات الذاتية للمشروبات والمأكولات، ولا حتى مستوى الخدمة المقدمة.

بل لمجرد أنه لا يوجد إلا على بعد مئات كثيرة من الأمتار، أي مكان اخر تستطيع فيه أن تأكل أو تشرب دون ضوضاء شديدة، بل قد يفرض المطعم أو المقهى سعرا عاليا جدا لمجرد أنه يريد استبعاد كل الزبائن غير القادرين على دفع هذا السعر ومن ثم يضمن زبائنه الأغنياء أن يجلسوا وسط زبائن من نفس طبقتهم، وبعيدا عن الحاسدين أو عن نظرات غير مستحبة من الزبائن الأقل ثراء.

في هذه الأمثلة وغيرها توجد فجوة واسعة بين ثمن السلعة أو الخدمة وبين نفقة إنتاجها، وهو أمر من شأنه أن يخلق لدى المستهلك شعورا بالضيق. نحن نعرف أن نفقة إنتاج السلعة التي نشتريها كثيرا ما تكون أقل من نصف أو ثلث السعر الذي ندفعه، واننا خاضعون بلا شك للاستغلال.

ولكننا قليلو أو عديمو الحيلة في مواجهة هذا الاستغلال. إذ ما الذي يمكن أن نصنعه عندما تنعدم أمامنا فرصة الاختيار لأن البديل الوحيد المتاح على بعد أميال، أو لا يمكن الحصول عليه إلا وسط ضوضاء لا تحتمل، أو زحام لا يطاق؟

بل لقد زحف الاحتكار حتى شمل سلعا لم نكن نتصور أن يشملها، إذ يحاول المنتج إقناعك بأن لهذه السلعة أصنافا، على عكس ما كنت تظن، وأن الصنف الذي ينتجه هو أفضل من أي صنف آخر. فإذا وقعت في الفخ استطاع أن يتقاضى منك أي سعر يشاء.

لقد حدث هذا مع بعض السلع الأساسية كاللبن مثلا، أو حتى الماء. اللبن في الحقيقة سلعة واحدة ولكن المنتج أو البائع يحاول أن يحّولها إلى أصناف، فيعمد إلى تغيير شكل العلب التي يعبئ فيها اللبن أو إلى تصنيفه إلى أنواع: كامل الدسم، ونصف دسم ومنزوع الدسم. والماء يعبأ في زجاجات متفاوتة الأحجام والأشكال ويزعم بائع (أو منتج ) أن الصنف الذي يبيعه أنقى أو أعذب من أي صنف آخر.. الخ.

هذا الاحتكار وهذا الاتساع المتزايد في الفجوة بين السعر ونفقة الإنتاج، ظاهرة آخذة في الانتشار في الحياة الحديثة، كلما زادت النقود في أيدينا، وكلما زادت الفجوة في الدخول بين الطبقات، وكلما اكتشفت وسائل جديدة للإعلان والإغراء، وكلما زادت رغبة كل منا في تمييز نفسه عن الآخرين. فإذا أدى كل هذا إلى خضوعنا للمزيد ثم المزيد من الاستغلال، فلا يجب ألا نلوم أحداً غير أنفسنا، إذ ليس هناك مسؤول إلا حماقتنا.

sgsaafan@aucegypt.edu