في أواخر الأربعينات من القرن التاسع عشر، بدأت مجموعات من الكتاب والرسامين والمثقفين في باريس، بالتجمع في الحانات وفي الأماكن العامة، لتتناقش فيما بينها حول الأوضاع السياسية والاجتماعية في فرنسا بشكل عام، دون تنظير أو إغراق في الفلسفة.

حتى أطلق على هذه التجمعات اسم «معابد الواقعية»». كان أساس تلك المدرسة هو الثورة على نظريات الأكاديميين الذين احتكروا الفن في بوتقات ضيّقة، وهاجموا كل من خرج عن تلك الأطر التي رفعوها إلى مرحلة القدسية.

لم تخرج مواضيع الرسامين الباريسيين في تلك الفترة عن الدين والتاريخ، فكانوا يرسمون من وحي خيالهم فقط، ولم يكن أحد يرسم منظراً حقيقياً، وكان كل من يحاول أن يأتي بشيء جديد، ينعت بضعف الموهبة وينبذ من المجتمع المخملي. حتى خرج رجل اسمه «غوستاف كوربِت» وبدأ يرسم لوحات واقعية حول الظروف الصعبة التي كان يعاني منها العمّال في فرنسا، مما أثار عليه رجال السياسة والاجتماعيين الذين فزعوا من فضح أنظمتهم المتعسّفة، وخافوا من إثارة الناس على قوانينهم المهترئة.

لقد أشعل غوستاف فتيل تغيير اجتماعي وفنيّ كبير، وكانت ثورته أساساً للمدرسة الواقعية في الفن، والتي انبثقت منها المدرسة الانطباعية التي كانت أكثر عمقاً فيما بعد، والتي كان أشهر روّادها هو الرسام «مونيه». وببساطة، كان الانطباعيون يرسمون ما يشعرون به أو ما يتشكّل في أنفسهم من انطباعات عندما يرون منظراً واقعيا. كأن يرسم أحدهم تأثير الريح على أشجار الحديقة، أو يرسم انطباعه عند هطول المطر على أحد الأزقة الضيقة... أي أنهم كانوا يرسمون نتيجة المشهد بغض النظر عن تفاصيله.

قد يسأل أحدكم، ما علاقة كل هذا بدبي، وفي هذه الفترة بالذات؟ قرأنا مؤخراً ما كتب عن دبي في الصحف العالمية والعربية على حد سواء. ولم أستغرب شخصياً من الهجمة الشرسة التي شنّتها وسائل الإعلام على دبي، حتى أن كاتباً في أحد الصحف الأميركية قال:«تتحدثون عن اقتصاد دبي وكأنّه اقتصاد أوروبا أو أميركا.

وتهاجمون دبي وكأنّها هي السبب في هذه الأزمة المالية». لقد كانت دبي، ومازالت، أحد أكثر المواضيع الاقتصادية سخونة في الإعلام العالمي، ولا نستغرب إن ساهمت مؤسسات إعلامية عربية، قريبة وبعيدة، في هذه الحملة الشرسة، لتنال مما حققته هذه المدينة التي راهن الجميع على سقوطها السريع.

قبل عدة أشهر زارت مجموعة من طلبة برنامج القادة في دبي، أحد الجامعات الأميركية لحضور دورة في الإدارة، فدار نقاش حاد في أحد ورش العمل بين الطلبة وبين الأستاذ. وكلّما طرح الأستاذ نظرية إدارية، ذكر له أحد الطلبة مثالاً يخالف النظرية تماماً ولكنّه ناجح في دبي. في البداية ظن المدرس أنها حالة شاذّة عن القاعدة، ولكن بعد يومين من الأمثلة، قال البروفسور:«أعتقد أنني يجب أن أزوركم في دبي لأعيد النظر في ما كتبت».

وعندما زار مايكل بورتر، الخبير العالمي في الإدارة الإستراتيجية، دبي، قال بأنه كان قد توصّل إلى نظرية جديدة حول نمو المدن الحديثة، التي سمّاها «المدينة المقسّمة Clustered City» والتي يقول فيها بأن المدن الحديثة يجب أن تقسّم قطاعاتها التجارية والصناعية إلى مدن صغيرة، فعلى سبيل المثال، يكون لشركات التكنولوجيا مدينة خاصة بهم، ولشركات الإعلام مدينة خاصة بهم...

وهكذا، لتتشكل بعدها تجمعات اقتصادية تساعد على توزيع الاستثمارات بالشكل الصحيح، وتساعد المستثمرين على دراسة السوق بشكل أوضح للوصول إلى قرارات اقتصادية صائبة. قال بورتر هذا الكلام عام 2005، وعندما أتى إلى دبي، أقرّ بأن المدينة قد بدأت بتطبيق هذه النظرية عام 1999 عندما أطلقت مدينتي دبي للإنترنت ودبي للإعلام.

نجحت دبي لأنها مدينة الواقعيين، الذين ثاروا على نظريات الاقتصاد والإدارة. فبعد أن استفادت الحكومة من تجارب الشرق والغرب، وضعت نموذجاً خاصاً بها، بدأ جيرانها باستخدامه لأنّه أثبت فاعليّته. ونجحت دبي لأن الذين استثمروا فيها لم يقرأوا كتب «آدم سميث» ولم يتأثروا بتقارير البطالة أو الضرائب أو أسعار النفط أو معدّلات الفائدة، فتركوا كل ذلك للأكاديميين وجهابذة الاقتصاد، وساروا هم على خطى غوستاف كوربِت، على بساط «أحمدي» بسيط ، ليصنعوا منه معجزة القرن الجديد.

نجحت دبي لأن الذين يعيشون ويعملون ويستثمرون فيها اليوم والذين أيضاً مازالوا يتبضّعون منها، هم انطباعيون، تأثروا بواقعية من سبقهم، يتعاملون مع الحياة لا من خلال الشاشات الحمراء والخضراء، ولكن من وحي انطباعاتهم التي يكتسبونها من خلال تطوافهم بالمدينة.

بالأمس مررت بالقرب من برج دبي ورأيت العمّال يضعون على قمته صارياً طويلاً إيذاناً بانتهاء البرج، فسألت نفسي:«كيف ستكون ردّة فعل هؤلاء المتشائمين عندما تفتتح دبي أطول برج في العالم في عزّ هذه الأزمة الاقتصادية!».

وقبل أيّام كان أحد أصدقائي يحاول استئجار محل تجاري في ثاني أكبر مركز تجاري في المنطقة، والذي ما زال تحت الإنشاء، إلا أن إدارة المركز اعتذرت منه لأن جميع محلاته قد تم بيعها، أقول هذا وقد افتتحت دبي للتو أكبر مركز تجاري في العالم. وذهبت بالأمس إلى أحد مراكز المعارض لاستئجار إحدى قاعاته لفعالية ثقافية ستنطلق في دبي في شهر أبريل عام 2010 فقيل لي بأن جميع القاعات محجوزة إلى نهاية ذلك العام، ولا يوجد يوم واحد ليس به معرض أو فعالية ما.

أقول هذا الكلام البسيط، ليس لأنني لا أملك أرقاماً أو معلومات تثبت قوة اقتصاد دبي، ولكن لأنني واقعي، انطباعي، أحب، أحياناً، أن أقيس الحياة بانطباعاتي التي تتشكّل من خلال مشاهداتي وممارساتي اليومية. ولا أحب أن تشكّلها مقالات الحاقدين في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب أيضاً. لا ننكر وجود أزمة مالية، ولكنّها أزمة عالمية وليست أزمة «دبوية» وإذا كنتم تتحدثون عن بعض الشركات التي سرّحت بعض المئات من الموظفين في دبي، فلماذا لا تذكرون الربع مليون عامل الذين سُرّحوا في الولايات المتحدة خلال الأشهر القليلة الماضية!

بعد عشرين عاماً من ثورة الواقعيين في باريس، أُدرج فنهم من ضمن الفنون العالمية المعترف بها. حينها فقط، أدرك المنظرون أنهم قد خسروا المعركة. إذا كنتم منظّرين، فنحن واقعيون، وإذا ساءكم بأن ما قمنا به في دبي قد فضح عجزكم وقلّة حيلتكم، فتلك مشكلتكم ولا شأن لنا بكم. إن ما تحقق في دبي خلال السنوات العشر الماضية، من بنية تحتية، ومن نمو اقتصادي، لا يمكن أن تحققه الآن أي مدينة أو دولة، بعيدة كانت أو مجاورة. فلقد أحسنت دبي استغلال تلك الطفرة، ومن استيقظ عند أولى ساعات الفجر، ليس كمن أيقظته حرارة شمس الظهيرة.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com