قَبِل العرب في الماضي القريب مقررات مؤتمر مدريد عام 1991 الذي عقد برعاية أميركية مباشرة وبمشاركة روسية وحضور أوروبي، وكان عقد المؤتمر وما وصل إليه من مقررات استجابة لوعود أميركية مسبقة التزم بها الرئيس جورج بوش (الأب) مقابل موافقة العرب على استقبال الجيوش الأميركية والعمل معها لتحرير الكويت، لأنها كانت المرة الأولى (الرسمية والعلنية) التي يقبل بها العرب تواجد قوات عسكرية أميركية في بلادهم وبرغبتهم وبدعوة منهم وبوضع قواتهم تحت إمرتها وإمرة قادتها.
انطلاقاً من أن تحرير الكويت والوعود الأميركية بالوصول إلى تسوية عادلة للصراع العربي الإسرائيلي تشكل ثمناً مناسباً لهذا القبول وتلك المشاركة. وقد توصل مؤتمر مدريد إلى مقررات تمهد لعقد تسوية عربية إسرائيلية جوهرها (الأرض مقابل السلام) أي أن تقبل إسرائيل بالانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة ويوافق العرب على عقد اتفاقيات سلام نهائي معها وصولاً إلى التطبيع.
وافترض المشاركون جميعاً أنهم وضعوا أقدامهم على طريق الحل، وأن القضية أصبحت قضية زمن وإجراءات وترتيبات ثنائية وإقليمية ودولية، منطلقين من قناعة مفادها أن الرغبة الأمريكية بالوصول إلى تسوية هي رغبة صادقة من شأنها مع المشاركة الدولية أن تجبر إسرائيل على القبول وأن توصل المنطقة إلى سلام عادل وشامل.
بعيد انتهاء مؤتمر مدريد بدأت المفاوضات العربية الإسرائيلية على شكل ثنائي بناء على الرغبة الإسرائيلية، فباشر الأردنيون (ومن ضمنهم الفلسطينيون في المرحلة الأولى) المفاوضات مع الإسرائيليين ومثلهم فعل السوريون والإسرائيليون، وكانت مفاوضات ماراثونية جرت في الولايات المتحدة الأميركية، ولم تصل إلى أية نتيجة باستثناء تسوية أردنية إسرائيلية استثني منها الفلسطينيون.
أما المسارات الأخرى فانتهت كما بدأت إلى لا شيء، وبعدها لم يبق من اتفاقيات مدريد سوى أقوال يكررها المسؤولون العرب في كل مناسبة معتبرينها مرجعية صالحة للتسوية، ومازالوا يكررونها حتى الآن ويتسلون ويعتبرونها نجاحات لسياساتهم دون أن تستجيب إسرائيل لها أو لأي من بنودها. وقد حرض مؤتمر مدريد وقراراته وتوصياته على عقد اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية من خارج مرجعية هذه الاتفاقيات ودون علم المتفاوضين الفلسطينيين أو العرب الذين كانوا يتناقشون في الولايات المتحدة والذين فوجئوا بها كما فوجئت حكوماتهم وشعوبهم.
بعد عشر سنوات طرح العرب مبادرة جديدة في مؤتمر القمة في بيروت عام (2002) خلاصتها قبولهم بالصلح والاعتراف والتطبيع والسلام مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، أي عكس ما قرروه في مؤتمر الخرطوم عام (1967) وكانت هذه المبادرة العربية في الواقع أقصى ما يمكن أن يقدمه العرب للإسرائيليين للوصول إلى تسوية، واعتبروا أن الموافقة الإسرائيلية على مبادرتهم هي تحصيل حاصل، إذ ماذا يريد الإسرائيليون أكثر من هذه التقدمة؟
أهملت حكومة شارون المبادرة العربية ولم تكلف نفسها الرد عليها (رفضاً أو قبولاً) وتحولت إلى ما يشبه التنازلات المجانية المقدمة لإسرائيل والتي يتعذر الرجوع عنها فيما بعد، وبقيت المبادرة العربية في النهاية تقدمة جديدة لإسرائيل لم تهتم بها ولم تفصح حتى عن عدم قبولها، كما لم يبق لدى العرب شيء يبادرون إلى تقديمه.
اتخذت اللجنة الرباعية التي تضم ممثلين للعالم كله (للأمم المتحدة، والولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا) قرارات تتعلق بالتسوية الفلسطينية الإسرائيلية، وقبل بها العرب بل ورحبوا ورعت الإدارة الأميركية قراراتها ووعدت بتنفيذها، إلا أن حكومة شارون (إياها) وضعت أربع عشرة ملاحظة عليها مما أفرغها من كل محتوى، ومع ذلك لم تقبلها لا بأصلها ولا بعد تعديلها وبقيت اللجنة الرباعية وقراراتها ونشاطاتها حبراً على ورق، باستثناء أنها أصبحت مصدر عيش (وهيبة) للسيد توني بلير رئيس وزراء بريطانية السابق. وتحولت بدورها إلى تقدمة مجانية لإسرائيل جاءتها هذه المرة من إجماع دولي.
أما آخر المبادرات والتوصيات فقد كانت مقررات مؤتمر (آنا بوليس) الذي حشدت له الولايات المتحدة أربعين دولة، ولم تطبق إسرائيل ولا الإدارة الأميركية أياً من مقرراته وتوصياته، وصار كغيره مبادرة لا تستمع إليها إسرائيل وتضعها في قائمة التنازلات.
ووافقت منظمات المقاومة الفلسطينية والعرب قبل عدة أشهر على اتفاقية التهدئة، فأخذت الحكومة الإسرائيلية تطبقها انتقائياً، فتوافق على بعضها وترفض معظمها وتتهم المقاومة بخرقها، وتبين أن هدفها من الموافقة هو تعطيل المقاومة وفرض حصار (شرعي) على غزة بحجة أن الطرف الآخر لا يطبقها، إلى أن وصل الأمر إلى ما وصل إليه من قصف وتدمير ووحشية ترتكبها القوات الإسرائيلية بعد أن أوهمت العالم أن المقاومة أخلت بالتزاماتها وأن من حقها الدفاع عن شعبها.
كاتب سوري
