اتجهت التحليلات والتعليقات الفرنسية في الأيام الأخيرة نحو القول عموما إن محصلة الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي هي إيجابية مع التركيز خاصة على مناقب الرئيس نيكولا ساركوزي. ولا شك أن هذا الأخير برهن على قدرة عالية في التحرّك لم تكن مألوفة من قبل قادة الاتحاد الأوروبي حتى الآن. لكن نجاح رئاسة لا تصحّ إعادته إلى نجاح رجل واحد.

وليس فقط لكون أنّه محاط بالعديد من المستشارين ولكن خاصة لكون أن القيام بعملية تقييم محصلة حقيقية تتطلب إخضاعها إلى عدة مقاييس أكثر أساسية يبدو أن المعلقين لم يولوها اهتمامهم. وفيما هو أبعد من شخصية الرئيس الفرنسي تبدو لنا المحصلة الحقيقية للمجلس الأوروبي الأخير في بروكسل أقل إيجابية من المحصلة التي قدّمها المعلقون غالباً.

أولا على صعيد القيم الديمقراطية التي يدعو لها الاتحاد الأوروبي. هناك الاتفاق المبرم بين رؤساء الدول والحكومات الأوروبيين من أجل إعادة استفتاء الشعب الايرلندي على اتفاقية برشلونة قبل شهر نوفمبر ـ 2009. كان الايرلنديون قد رفضوا في استفتاء عام جرى في شهر يونيو ـ 2008 التصديق على هذه الاتفاقية.

ويسود الشعور المربك اليوم أن الاتحاد الأوروبي قد أعاد اختراع مبدأ السيادة الوطنية المحدودة الذي كانت قد دعت إليه الأنظمة الستالينية أثناء فترة الحرب الباردة . ذلك أنه إذا تتبعنا منطق قرار المجلس الأوروبي فإنه يمكن للشعب الأوروبي الوحيد المسموح له بالتعبير في استفتاء عام على الاتفاقية الأوروبية أن يقترع ما يشاء من المرّات شريطة أن ينتهي به الأمر إلى تقديم الإجابة الوحيدة المقبولة من قبل القادة الأوروبيين.

القضية ذات أهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي، ذلك أن تجاهل نتائج اقتراع ديمقراطي وبعد حملة ديمقراطية قد يعني مخاطرة رؤساء الدول والحكومات الأوروبية بنسف أسس الديمقراطية الأوروبية نفسها. أمّا بالنسبة للمساومة التي شُرع فيها مع الحكومة الايرلندية لإقناعها بدعوة مواطنيها إلى استفتاء جديد فهي تتجاوز الحدود ذلك أنه تمّ تقديم الوعد لايرلندة بضمان وجودها الدائم كعضو في المفوضية الأوروبية.

هذا في الوقت الذي كان قد جرى فيه تقديم عملية تقليص عدد المفوضين الأوروبيين على أنها احد أشكال التقدم التي أحرزتها اتفاقية لشبونة. هذه الاتفاقية جرى إذن تعديلها في نقطة مهمة مما يُفترض أن يؤدي حسب المنطق السليم التصديق على نصّها الجديد من قبل كل الدول الأعضاء، وهذا ما لم يتم حتى التفكير فيه.

وأبرزت الحكومة الايرلندية ضمانا آخر يتمثل في التأكيدات المقدمة لها بخصوص الحياد العسكري للبلاد ورفضها لرؤية الاتحاد الأوروبي ينخرط أكثر في الاندماج العسكري داخل الحلف الأطلسي. هذا وبعد ساعات من هذا الضمان المزعوم الممنوح لايرلندة تبنّى المجلس الأوروبي قرارا يذهب في الاتجاه المعاكس تماما، عبر الدعوة إلى انطلاقة جديدة في الميدان العسكري «بالتكامل مع الحلف الأطلسي».

وكان نيكولا ساركوزي قد حبّذ سياسة دفاع أوروبي مستقلّة تتعاون مع الحلف الأطلسي. لكننا هنا أمام واقع مشدود بين أوروبا الدفاعية التي لا وجود لها وبين الحلف الأطلسي الحاضر والقوي، ومن هنا تأتي المصداقية القليلة لما دعا إليه الرئيس الفرنسي.

وهناك مسألة معالجة الأزمة الاقتصادية إذ لا يمكن الزعم ان الاتحاد الأوروبي قد استخلص النتائج من الزوابع المالية والاقتصادية التي تعصف بالنظام الرأسمالي وإنه كان قادرا على اتخاذ إجراءات عاجلة جماعية.

والخطة المزعومة للنهوض الأوروبي هي أقل بحوالي خمس مرّات من الخطط الأميركية أو الصينية. ثم أن الأمر لا يتعلق حقيقة بخطة أوروبية ولكن بمجموع الخطط الوطنية ذات المصالح المتناقضة أحيانا. بحيث أن البعض يركزون على العرض بينما يركز الآخرون على الطلب.

ويُخشى أن لا يكون لهذه الإجراءات، غير المناسبة جزئيا، الآثار المطلوبة على الأزمة. فبالنتيجة يدفع أصحاب الرواتب الثمن غاليا. أمّا البنوك التي ستتجنب الإفلاس فستكون راضية جدا عن الإجراءات المتخذة على عكس المواطنين الأوروبيين احتمالا.

وأخيرا لم تكن الخطة الخاصّة بالمناخ على مستوى التحديات، رغم أنها كانت رهانا كبيرا في القمة الأوروبية. كان الأمر يتعلّق خاصة بتحقيق الأهداف المحددة في شهر مارس من عام 2007 والخاصة بتقليص إصدار الغازات من المصانع بنسبة 20 بالمائة من الآن وحتى عام 2020 بالقياس إلى عام 1990.

لقد بقيت الأمور غائمة بهذا الشأن ثم لم يتم إقرار أية منظومة لعقاب البلدان التي لا تحترم التزاماتها. وهناك ضغوط من الصناعيين ومن عدد من البلدان مثل ألمانيا وبولندة وإيطاليا باتجاه ضرورة المحافظة على قدرة المنافسة والمحافظة على إيقاع عالي للإنتاج.

بالاعتماد على ما سبق تمكن ملاحظة أن المجلس الأخير للاتحاد الأوروبي المنعقد في ظل الرئاسة الفرنسية والذي جرى تقديمه على أنه نجاح سياسي لهذه الرئاسة هو في الواقع مخيّب للآمال ولم يبرهن على أنه على مستوى الأزمة التي تجتازها الدول الأعضاء. ولعله كان من الاستقامة الاعتراف على الأقل بمحدودية ما توصّل إليه.

Professorrabie@yahoo.com