مشهد رهيب تتصاعد فيه أعداد القتلى وأعداد الجرحى بسرعات قياسية وسط دخان القذائف الذي يغطي جزءاً من مسرح الجريمة وصرير صفارات الإنذار غير القادرة على التقليل من حجم الخسائر. مشهد تتصاعد فيه المعاناة الإنسانية لتبلغ ذروتها في اليأس والقنوط وتتحول فيه المشاعر إلى العدمية.
مشهد تتراجع فيه القيم الإنسانية أشواطاً إلى الوراء نكوصاً ويأساً في عصر لا حديث فيه إلا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. في هذا المشهد الحزين حيث لا تجد عائلة ثكلى مكاناً لجثمان شهيدها في أحد أدراج ثلاجات الموتى الممتلئة عن آخرها في مستشفيات قطاع غزة التي تشكو أصلاً من ضعف التجهيزات، ولا تجد عائلة أخرى سريراً في إحدى ردهاتها لابنها الجريح الذي يخفت أنينه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، تُحبس الأنفاس رعباً وهولاً ونحن في القرن الحادي والعشرين.
الدمار الذي صنعته وتصنعه آلة التدمير الإسرائيلية - الأمريكية في هذا الشريط الضيق من الأرض الذي يسكنه أكبر تجمع سكاني يشكو من الفاقة قدر ما يشكو من الظلم، ويحمل من قيح الغضب والمعاناة ما لا يمكن للكلمات أن تصفه، لا أحد يمكنه تجاوز هذا المشهد الدامي الدرامي في مسرح شهد ويشهد عذابات تنفيذ واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ حين حُرم شعب من التمتع بأبسط الحقوق التي وضعتها وأقرتها جميع الشرائع في العالم وهي العيش بحرية وكرامة.
مسلسل الجريمة بحق الشعب الفلسطيني رغم أنه يمتد لعشرات السنين إلا أنه بلغ أوجه حين انطلقت الطائرات الإسرائيلية منذ أيام من مطارات أرض مغتصبة بشرعية دولية، في فترة سابقة، لتمطر في دقائق معدودات حمم جهنم على عشرات المواقع في شريط ضيق من الأرض نفسها لم تنجح بعد في اغتصابه إلا بالاحتلال، إلا أنها تمتلك شرعية القيام بكل أشكال الانتهاكات فيه.
بعيداً عن التأثر في العواطف، وهو أمر صعب جداً، وبعيداً عن توجيه اللوم والتجريح إلى هذا أو ذاك، وهي دبلوماسية لا بد أن ننتهجها لصالح الفلسطينيين، وبعيداً عن التقليدية التي نرفضها في التعامل مع أزمات من هذا النوع حدثت في الماضي وما أكثرها، الوضع المأساوي في غزة يتطلب التمعن بالمحاور التالية: طبيعة الأزمة التي قادت إلى هذه المواجهة غير المتكافئة التي فرضت على حركة حماس، والعلاج الذي تقدمه إسرائيل، والعلاج الذي يقدمه العرب، والعواقب الذي سوف تترتب على ذلك.
الخلافات بين الطرفين الفلسطينيين رغم وصولها إلى شبه القطيعة في الآونة الأخيرة إلا أنها تبقى خلافات فلسطينية ؟ فلسطينية ليس من حق أحد التدخل فيها إلا بدافع حسن النوايا ليس غير، وقد تعددت صيغ الوساطة التي قامت بها أكثر من جهة.
وخلافات كهذه ليست غير طبيعية فقد عانت منها معظم الحركات الثورية في العالم حيث تشهد قياداتها في المفاصل المهمة من تاريخها من يرغب في حل سلمي يحقق بعض المكاسب ومن يرغب في حل ثوري يحقق كل المكاسب.
ورغم أن أطرافاً عربية تدخلت لتضييق شقة الخلافات بين الطرفين إلا أنها فشلت في تحقيق ذلك، ولكن هذا الفشل لا يبيح لإسرائيل فرض الصيغة السياسية التي ترغب فيها على الفلسطينيين بإبادة طرف لا تشعر بالود نحوه، ولا يبيح كذلك للمجتمع الدولي تبرير الفعل الإسرائيلي هذا تحت أية ذريعة.
الحجج التي تطلقها إسرائيل لا تبرر استخدام هذا القدر الهائل من القوة غير المبررة على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والإنسانية والأخلاقية. الحقيقة تكمن في تعاظم نفوذ اليمين الإسرائيلي، غير الراغب في تقديم تنازلات أياً كان نوعها إلى الفلسطينيين، في صناعة القرار الإسرائيلي من جهة، وتنصل الولايات المتحدة من الوعود التي قطعتها على نفسها مع مجيء إدارة الرئيس بوش الذي يعتبر الرئيس الأميركي الأول الذي تحدث عن قيام الدولة الفلسطينية منذ عام 2002 من جهة أخرى.
إلا أن ذلك ليس غير نصف الحقيقة، أما نصفها الآخر فيكمن في التراجع العربي و الدولي الكبير إزاء الاهتمام بهذه القضية على مدى العقود الماضية. فقد تراجع الموقف المتشدد من هذه القضية تراجعاً استراتيجياً كبيراً، وتحولت القضية الفلسطينية من هَمٍ عربي إلى هَمٍ فلسطيني، وأصبح السلام مع إسرائيل مقابل الأرض هدفاً استراتيجياً للدول العربية منذ طرحت مبادرة السلام في قمة بيروت، وهي مبادرة لم تعرب إسرائيل بشكل واضح عن قبولها ولم تعمل من جانبها إلى ما يشير إلى اهتمامها بها.
فالعملية العسكرية الضخمة التي تقوم بها إسرائيل في قطاع غزة هي إجهاض لما حققته المفاوضات بينها وبين الفلسطينيين منذ بدأت في النرويج قبل ما يقرب من عقدين من السنين، وإجهاض لخارطة الطريق التي وضعتها إدارة الرئيس الأميركي.
والحقيقة أن هذه العملية قد جرى توقيتها بعناية فائقة مع قرب انتقال الإدارة الأميركية إلى الرئيس الجديد باراك أوباما الذي وعد في حملته الانتخابية بتقديم الكثير جداً لصالح إسرائيل إلى الحد الذي شككت فيه منظمة إيباك (اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة) بصدق نواياه مما يتطلب اختباراً حقيقياً لها.
ويبدو أن إسرائيل لا تبالي كثيراً بالعواقب التي يمكن أن تترتب على ما تقوم به، أو أنها ضمنت بأن ردود الأفعال لن تتجاوز الإدانة لما سيسمى عدواناً تقوم به على قطاع غزة ومن ثم التسابق في تقديم المعونات الغذائية والطبية للمتضررين في القطاع، وهي عادة مساعدات ضئيلة محدودة يأتي بعضها بعد فوات الأوان.
أما على المستوى الدولي فإن مجلس الأمن الدولي يُثبت من جديد بأن النظام العالمي بحاجة ماسة إلى إعادة النظر بأسسه، فقد أصدر هذا المجلس قراراً غير ملزم بإيقاف العمليات العسكرية في غزة وهو قرار يخلو من أية إدانة لإسرائيل بل على العكس من ذلك يسمح لها بالاستمرار في تنفيذ مخطط الإبادة فقد دعت جزءاً من قوات الاحتياط لتوسيع رقعة عملياتها والتهيؤ لاجتياح بري.
بقي أن نتحدث عن آخر المحاور التي وضعناها وهي العواقب المحتملة للسياسة الإسرائيلية المسنودة من غير تحفظ من واشنطن. وهنا لا مفر من التساؤل عن إستراتيجية مكافحة الإرهاب في العالم التي تطبل لها واشنطن منذ سنوات وجيشت جيوشها لتسقط أنظمة سياسية هنا وهناك بدعوى محاربته.
فهل ما يجري في غزة من إبادة يدخل تحت باب مكافحة الإرهاب أم عكس ذلك، فالموقف الدولي من هذه القضية هو تشجيع الإرهاب الذي تقوم به إسرائيل من جهة والعمل على خلق الإرهاب من جهة أخرى، فالمقاومة الفلسطينية لن تجد أمامها للرد سوى انتهاج أساليب تعتبرها واشنطن وحلفاؤها إرهابية.