اكثر من نصف قرن ونحن والمشروع الصهيوني في فلسطين في صراع خسرنا فيه الكثير وظلمنا فيه كثيرا وذقنا مرارة الحزن فيه حتى تجرحت حناجرنا، ورثت الأجيال العربية هذا الصراع جيلاً بعد جيل، تشكلت خلاله ثقافة المقاومة وأشكالها.

وتشكلت فيه تكتلات مختلفة حول مفهوم المقاومة، ثم بدأنا ندخل المراحل المتقدمة من الاختلاف حول اسلوب الحل واسلوب مواجهة هذا المعتدي الغاشم، في الوقت الذي بقيت فيه المرارة تشرخ الصوت العربي وتمزقه وتفرقه.. يئس منا من يئس وبقي منا من بقي على انتفاضة مستمرة ومقاومة.

وبعد سلسلة من مبادرات وبعد أن سلمنا بأن يقضم هذا العدو الغاشم ثلثي الحق، تفجرت خلافاتنا فيما بيننا وبدأ غيلان الدسائس والمؤمرات والمبايعات تنخر عظامنا..سيرة التحرير وسيرة القضية محفوفة بمخاطر وألغام باع فيها من باع وتاجر فيها من تاجر واتخذها البعض اكسسواراً وزينة وآخرون حولوها لتحف في متاحفهم. بانتصارات قليلة وهزائم كثيرة، وبطولات بين أزقة وحواري لشرفاء أدوا واجبهم ومضوا، وضحايا بمئات الألوف ماتوا لقيمة في الموت نضالاً وآخرون ماتوا بالمجان..سطرت مئات آلاف من الكتب والبحوث في سيرة الوطن السليب.

وفي سيرة الغدر وسيرة الدسائس، وسيرة البطولات الحقيقية أيضا.. انتج الصراع أبطالاً وحكماء وخونة وفلاسفة من الدرجة الاولى والثانية والثالثة والى درجة الصفر أيضاً.

بعد هذا كله وهذا التراكم الكبير من المعرفة والتجربة في صراعنا مع عدونا الاوحد، لم يتأسس الى اليوم مشروع عربي منطقي واحد يستند العرب عليه في حال الملمات والصعاب. العرب كما هم بعد نصف القرن الذي مر..والمرارة التي تشق جدران الحلق هي، هي لم تفتر ولم تهادننا بل صارت قيحا وسما يتسرب الى القلوب.

فمات الكثير منا غصة وقهرا واصاب الشلل والعجز بسببها بقيتنا الباقية وما زال هناك من تفتك به هذه الغصة على شكل موت سريري بطيء وهلوسات وتشنجات عصبية وعضلية، بل أصبنا بخلل كبير في ميزاننا النفسي، تزعزعت حتى الثقة وصابها ما أصابها من الشوائب، وصرنا شكاكين، نشك في أنفسنا قبل ان نشك في الآخرين، اهتز المنطق فينا واهترأنا من الداخل.

وفي تاريخ المقاومة والنضال وفي استحقاقات القضية برمتها صرنا المتهمون والابرياء والقضاة والجلادون وتبعثر الحق بيننا وأضعناه في ليل ريح حالك الظلمة.. وعلى صفحات هذا التاريخ ايضاً لم ننس ان نجلد انفسنا واستهلكنا الزمن في هذا الجلد فتخلفنا عن الركب.

لم نؤسس من هذه التجربة المريرة مشروع الخلاص، وهذه حقيقة أمّر من المرارة التي تقتلنا ببطء شديد.

وشم الموت على وجه الطفلة لمى حمدان وشقيقتها ومئات الآلاف من الاطفال الذين لم يشتموا رحيق الحياة وبلعتهم لعنة الصراع التاريخي، هو وجه غزة اليوم..ابلغ من كل كلام الجعجعة في التصريح الرسمي..اما الشعوب المنتفضة، والمعقولة في مكان عقالها، فويلاتها تعصف في صدورها حزناً وكمداً.

mhalyan@albayan.ae