تحوم طائرات العدو الصهيوني فوق أسقف البيوت في غزة.. تنتقي أهدافها بهدوء تام وطمأنينة كبيرة.. ولا اشك في أن الطيارين الصهاينة كانوا يمضغون «اللبان« أو يرسلون بمسجات عبر هواتفهم لصديقاتهم وحبيباتهم أو زوجاتهم لكي يتابعن صدى أفعالهم على الأرض، ويتيقن من أن فرسان أحلامهن شجعان في ساحات الوغى!!

ولا بأس من نكات وضحكات بالعبري والانجليزي «المكسر»، والعربي أيضا.. فحالة أسراب الاباتشي واف 16 والطائرات من دون طيار التي تصور المشهد الدامي والحرائق من السماء كانت «تتمخطر» وتحلق كما يحلق الفراش في فصل الربيع فوق حقول الزهر..سماء مباحة وارض مباحة، والفرصة سانحة لمدربي طيران العدو لتدريب طلابهم وإعطائهم درسا في التصويب، فساحة التدريب عربية هادئة ممهدة، والأهداف على الأرض رخيصة سبق بيعها للعدم والموت والمجهول!!

أما الذين تفرجوا على تلك النقلات والضربات من على القرب أو على البعد فقد كانت وجبه المشاهدة مليئة بما يرضي الفضول حتى في بشاعتها.

وبرغم الدم الذي سال، وبرغم منظر الأشلاء التي تناثرت في كل شبر من شوارع غزة وأرصفتها، وبالرغم من المشهد المثير للأعصاب.. إلا أن البطولة في كامل معركة غزة بالأمس كانت لأناس خارج ميدان الموت.. فأكثر ما كان يثير بالأمس الحال الذي بدا عليه مشهد العرب بفلاسفتهم ومنظريهم وعرابيهم وأبطال الكلام وعباقرة الصيد في المياه الصافية والعكرة.. مشهد كان ما فيه يوازي حجم البؤس في ساحة غزة المباحة للموت.. من كل الجهات توالت المشاهد العربية لتروي المشهد الكامل..

بين حال الطيارين الصهاينة وهم في سماء غزة والوضع المريح الذي كانوا عليه، وبين حال العرب في سماء الفضاء العربي مفارقة ما بعدها مفارقة.. كافية تماما لإثارة عشرات الآلاف من النكات من على كراسي مقاهي السبات والنوم و «التعسيلة ابو نص جنيه»..الطيار الصهيوني يضغط زر الصاروخ أو القنبلة الارتجاجية وعباقرة الكلام العرب يضغطون على ألسنتهم «ويتكون»على الحروف وهم يزبدون ويرعدون!

وحده الشارع العربي.. وحده المواطن العربي المسروجة على ظهره أطنان من الموانع والضبط والربط والترهيب والواقف يواجه الأسلاك الشائكة والعصي المكهربة والقناصة المدربين والجاهزين يتقطع حسرة وكمدا.. يصرخ ويعوي كما تعوي الذئاب المنحشرة بين صخور الوادي واشواكه!

نكات الطيارين الصهاينة في السماء العربية الهادئة فوق غزة هي نتيجة استرخاء وطمأنينة من أن تلك الذئاب محشورة في الأمكنة الآمنة ولن تفلت من الأسر والاحتجاز!!

محروسة يا سماء غزة.. لأن الأرض ما زالت ترسل الأرواح إليك فاطمئني..

mhalyan@albayan.ae