لن نتحدث عن الصمت الرسمي العربي حيال حصار غزة الذي استمر لأكثر من ستة أشهر عاش فيها الأهل على فتات الطعام، وعانى فيها مرضى المستشفيات من الأطفال والعجائز والشيوخ من نقص الدواء.

ولا عن ذاك المشهد الذي بثته فضائية عربية دخلت بيتا فلسطينيا في غزة في ليل الحصار لتكشف عن صبي ينام فوق سريره مصابا بالشلل ومن ضمنه شلل رئتيه اللتين كانتا تتنفسان بواسطة جهاز كهربائي، ولانقطاع الكهرباء ضمن عمليات الإجبار والتركيع والتجويع والترهيب اضطر أهل الفتى على المناوبة لدفع الهواء لرئة الصبي عبر بالونه وثقب في رقبته.

سأل مذيع الفضائية الفتى، مما تخشى، فأجاب أخشى ان ينام أبي أو يتعب فأموت!! لن نتحدث عن موت القضية في القلب العربي، ولا عن حقن اليأس التي اخترقت الجلود لكي تخدر الحواس والأحاسيس. ولا عن عدم جدوى صراخ امرأة ثكلى «وينكم يا عرب» فالطامة الكبرى هي ابلغ من هذا كله..

بالامس وقنابل الموت تحصد الأجساد في غزة والدم يرسم لوحات الفاجعة والفجيعة، وكل الصراخ وكل العويل، وصوت الندب الذي دوى في جهات العالم، بدا المشهد متكررا، ريح خيانة تفوح واتفاقات مبطنة وصمت مأجور كما بدا عليه الامر في مشاهد الموت والدم في جنوب لبنان، ومشاهد السحل في حصار جنين وغيرها من مشاهد المهانة والجبن..

شلل رئة الصبي التي تتنفس عبر بالون ينفخه أبوه، هو الشلل ذاته الذي كلس العقول منذ عقود، منذ لحظات التسليم الأولى التي سجلها التاريخ كوصمة عار لن تمحوها الأيام من دفتره.

تبعثرت أشلاء الأجساد في كل مكان واختلطت بالتراب والصمت والفرجة.. والثأر سيكون في ورقة ترسل إلى المقام العالي فيها كثير من الإذعان، فيها كثير من السب والشتم لبقية الرجال الذين لم يقبلوا الوجبة المصرح بها.

الطامة الكبرى إننا مازلنا لم نروض فينا بقايا ظلت عصية على ما يراد له أن يكون، ومهمتنا ان نفعل ببقيتنا تلك ما يجب ان نفعل حتى تسير الأمور على ما يشتهون..

عند المواطن العربي البسيط، المفخخ بالشك والشكوى والإحباط والانكسار كل ما يجري ويحدث مبرر في إجابة متعددة:

نحن أكثر المتأزمين بالموت الهادر على التراب المغتصب.

نحن الذين نرى الذي لا يرى في أولئك الأشداء الذين يموتون ولا نملك التهليل لهم.

نحن من تحتاج رئاتنا لمن ينفخ فيها من النخوة قليلا..

الحرب على العرب.. وموت العربي أكثر الأفلام إثارة.. مليئة بالاكشن، مليئة بالدسائس، مليئة بالدمع..

mhalyan@albayan.ae