اعتبر الغرب تصريح رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين حول انتهاء عصر الغاز الرخيص، بمثابة مقدمة لإعلان حرب اقتصادية. ويبدو أن تصريح بوتين نجم في الواقع عن اليأس مع تدهور أسعار النفط في الوقت الذي ترفض فيه أوكرانيا سداد ديونها عن الغاز الذي تستورده من روسيا.

فقد اعترف كبير اقتصاديي الكرملين أركادي دفوركوفيتش يوم أمس أن ميزانية روسيا ستتعرض إلى عجز لأول مرة خلال العقد الأخير، ولكن إذا استخف الأوربيون بإشارة موسكو، ولم يوبخوا شركاءهم الأوكرانيين فقد يهتز الاتحاد الأوروبي.

فعندما قال بوتين إن الطاقة الرخيصة أخذت تصبح غير مقبولة نتيجة النفقات الهائلة للإنتاج، لم يبالغ أبدا. ويقول الخبراء الروس، إن استثمار حقول نفط جديدة الآن لن يكون مربحا إلا في حال ارتفاع سعر البرميل الواحد إلى 60 دولارا. والحاصل، أن فضاء المناورة الاقتصادية لدى السلطات الروسية، أخذ يضيق بشكل جامح، هذا بالرغم من أن روسيا تحاول على الدوام توسيع هذا الفضاء.

وارتكب الكرملين عشية حرب الغاز الروسية الأوكرانية عام 2006، هفوة كبيرة. فلم تحاول أي جهة في الغالب، إفهام بلدان الاتحاد الأوروبي، بأن الأوروبيين أنفسهم سيتحملون في نهاية المطاف تبعية تعود الأوكرانيين على عدم تسديد ديونهم المترتبة عن استيراد الغاز. وقد روعي هذا الخطأ الآن بكل جلاء، فدعا وزير الطاقة الروسي بلدان الاتحاد الأوروبي بصراحة إلى الضغط على قادة كييف المتخاصمين، أو الاستعداد لانقطاع في الإمدادات.

وقد اقتنع الغربيون في أغسطس بأن الكرملين على استعداد للدفاع عن مصالحه في الفضاء السوفييتي السابق بقوة السلاح. وقد تتوفر لديهم في يناير فرصة اختبار استعداد موسكو لحماية هذه المصالح نفسها بواسطة صمام الغاز. فلا يوجد، كما يبدو، ما يتراجع إليه بوتين و«قواته»، إذ أن الخزينة ستصبح فارغة.

لقد ذكر بوتين أن احتياطي حقول الغاز يتضاءل بالتدريج أما حقول الغاز الواعدة فتقع بعيدا عن المراكز الأساسية للاستهلاك. وأضاف «إن تكاليف التنقيب عن الغاز واستخراجه ونقله تتزايد بشكل مطرد»، مشيرا إلى أن روسيا تستثمر في هذا القطاع عشرات مليارات الدولارات.

وأكد أن هذا يعني أن تكاليف تطوير هذا القطاع ستتزايد بشكل حاد ما يدل على أن حقبة موارد الطاقة الرخيصة والغاز الرخيص شارفت على الانتهاء على الرغم من المشاكل المالية. إلى جانب ذلك ذكر بوتين أن الأزمة المالية ستنعكس على قطاع الغاز أكثر من قطاع النفط.

وقد قع وزراء من البلدان التي يصل قسطها في استخراج الغاز عالميا إلى ما يقارب 37 بالمائة (بينها روسيا ـ 22 بالمائة)، في موسكو الأسبوع الماضي اتفاقية تشكيل منظمة لهم، وتبنوا ميثاقها واختاروا مكانا لاستضافة مقرها. وأعرب خبراء عن ثقتهم بأنه سيبدأ تكوين سلاح طاقة عالمي، يوفر لمصدري الغاز إمكانية إملاء شروطهم على العالم أجمع.

ويخشى مستوردو الغاز، وخاصة الأوربيين أن «كارتيل الغاز» الجديد سيقوم بتحديد الأسعار وقد يملي العملة التي يجري الدفع بها عن التجهيزات.

واقع الأزمة العالمية يقول إن روسيا التي كانت قد وضعت خطط التنمية الاقتصادية على أساس سعر برميل النفط لا يقل عن ستين دولار أصبحت الان تواجه أزمة حقيقية قد تعوق التنمية لديها، ولديها سلاح قوي في يديها لم تكن تريد أن تستخدمه حتى لا تخيف أحدا منها.

وهو «الغاز الطبيعي»، وإذا كانت روسيا لا تستطيع أن تفعل شيئا مع هبوط أسعار النفط فإنها لديها الكثير الذي يمكن أن تفعله مع الغاز الذي تحتكر وحدها أكثر من ربع إنتاجه العالمي، ولا يوجد من يستطيع منع روسيا من استخدام هذا السلاح، إلا في حالة عودة أسعار النفط إلى ما فوق الستين دولارا للبرميل، وفي هذا الأمر يكمن تهديد رئيس الوزراء بوتين للآخرين بأن عصر الغاز الرخيص قد ولى.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru