هناك مؤشرات متعددة حول أن المسار السوري سوف يشهد تحركا قويا خلال الفترة المقبلة، فمن جهة تشير تسريبات عن إدارة الرئيس الأميركي المنتخب باراك اوباما أن المقربين منه ومن وزيرة الخارجية المنتظرة هيلارى كلينتون قدموا لهما نصائح حول كيفية التحرك فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي .
وقد اتفق معظمهم على ضرورة البدء بإحياء المسار السوري الإسرائيلي، وانطلق هؤلاء في نصيحتهم إلى عدة أسباب في مقدمتها صعوبة البدء بالمسار الفلسطيني الإسرائيلي في ظل الأزمة الحادة الحالية بين حركتي فتح وحماس ووجود إدارتين متنازعتين في كل من غزة ورام الله.
والى أن آخر إدارة أميركية ديمقراطية أي إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون قطعت شوطا مهما فيما يتعلق بالمسار السوري يمكن البناء عليه، خاصة وان معظم الأعضاء الجدد في إدارة اوباما سبق لهم العمل في إدارة كلينتون الأمر الذي يسهل عليهم مهمتهم.
وثالثا هناك جهد يبذل حاليا على صعيد المسار السوري الإسرائيلي يتعلق بالمفاوضات غير المباشرة التي تتم بين الجانبين عن طريق تركيا وهذا المسار وان كان لم يحقق أية نتائج ملموسة حتى الآن إلا انه يسهل البناء عليه، حيث من السهل أن يتحول إلى مفاوضات مباشرة تتم تحت رعاية وبحضور الإدارة الأميركية الجديدة التي تريد أن تقوم بأي عمل ايجابي فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط حتى لا تحبط شعوب المنطقة منها.
وهى تريد أن يساهم ذلك في أمرين الأول أن تحسن من صورة الولايات المتحدة في المنطقة عن طريق هذا الجهد بعدما انهارت شعبيتها في المنطقة خلال عهد الإدارة الجمهورية السابقة عليها، والأمر الثاني أن يساهم ذلك في أن تشارك هذه الشعوب في حرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب الذي سوف يتخذ شكلا آخر في عهد الإدارة المقبلة.
فالحاصل أن هذه المفاوضات غير المباشرة لم تحقق شيئا على الأرض وما هي إلا خطوة تستهدف الإيحاء بأن هذا المسار لم يمت إلى حين حدوث اختراق ما يمكن أن يتحقق على أيدي الإدارة الجديدة. فرغم التصريحات الأخيرة للرئيس السوري بشار الأسد حول إمكانية الانتقال إلى مفاوضات مباشرة، ووصفه المفاوضات غير المباشرة بعملية بناء للأساسات المتينة للبناء الكبير ويقصد السلام حسبما تفسر المصادر الإسرائيلية هذه التصريحات ؛ فإن الحصيلة الفعلية والعملية للمفاوضات غير المباشرة بحسب بعض المعلقين الإسرائيليين هي صفر.
إذ لم يجرِ التوصل إلى خلاصات عملية وملموسة يمكن أن تدفع قدماً بالمفاوضات الإسرائيلية - السورية في عهد رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل.
كل ذلك رغم أن هذه المفاوضات كانت على رأس جدول أعمال المفاوضات التي أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت الأسبوع الماضي في أنقرة مع نظيره التركي رجب طيب اردوغان الأسبوع الماضي التي تسرب عنها أن الأطراف اتفقت على عقد جدولة سادسة و جديدة من المفاوضات غير المباشرة تعقد قريبا، فقد ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت ابلغ نظيره التركي رجب طيب أردوغان انه يتعين التعجيل بإجراء محادثات مباشرة بين إسرائيل وسوريا في اقرب وقت ممكن..
وقال أن أي شيء لا نفعله اليوم في الشرق الأوسط ربما لا نستطيع تحقيقه غدا، وقد رجحت مصادر دبلوماسية مطلعة أن يقوم مسؤول تركي رفيع بزيارة دمشق قريبا لإجراء مشاورات مع القيادة السورية بشأن مفاوضات السلام التي ترعاها أنقرة وربما لإطلاع المسؤولين السوريين على نتائج زيارة أولمرت لتركيا ومحادثاته هناك مع رئيس الوزراء التركي وهو ما يعنى أن الأطراف كلها حريصة على تأكيد حياة هذا المسار وعدم موته انتظارا للاختراق الذي يمكن أن يتحقق على أيدي الإدارة الجديدة بمجرد بدئها لمهامها.
وما يجرى على الساحة حاليا هو إرهاصات إحياء المسار السوري الإسرائيلي بصورة رسمية ومباشرة، ولكن السؤال المهم هو هل سيكون الإحياء وفقا للمطالب السورية التي تتعلق بالبدء مما تحقق بالفعل في آخر مفاوضات جرت بين الجانبين في عهد الإدارة الديمقراطية الأخيرة، والتي قيل أن هناك وديعة من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أيهود باراك ووزير الدفاع الحالي حول الموافقة على الانسحاب من هضبة الجولان بشرط الاتفاق على إجراءات أمنية خاصة بها بين الجانبين، أم انه سيتم الانطلاق مما تم الاتفاق عليه في المفاوضات غير المباشرة التي تتم حاليا بوساطة تركية.
أم هل سيتم التفاوض حول المنطقة التي سيتم منها بدء المفاوضات بما يعنى إضاعة وقت آخر في عمليات إجرائية قد تساعد الإدارة الجديدة في دراسة الموضوع وتحديد مناطق التدخل فيها وكيفية ممارسة الضغوط واتجاهاتها خلال فترة التفاوض.
فالحاصل أن الإدارة الأميركية الجديدة وان كانت الأزمة المالية العالمية سوف تحتل القدر الأكبر من اهتماماتها، إلا أنها للأسباب التي سبق لنا ذكرها لابد وان تقدم مقابل إلى شعوب المنطقة، وهى في هذا الأمر ستبحث عن السهل والسريع، ويبدو من تطورات الأوضاع في المنطقة أن هذا الأمر يتوفر في المسار السوري الإسرائيلي أكثر من اى مسار آخر خاص بالصراع العربي الإسرائيلي.
وبالطبع فان الجانب السوري اثبت خلال الفترة السابقة تأهله لهذا الأمر فيما يتعلق بالملف اللبناني وملفات أخرى في المنطقة وهذا التطور جاء بسبب تدخلات فرنسية ناجحة استطاعت أن تعيد دمج سوريا في تفاعلات المنطقة وأكدت أن النظام السوري لديه المرونة الكافية للتكيف مع معطيات النظام الدولي الحالي.
كاتب مصري
