نحن نترجم إلى اللغة العربية لنحقق هدفا من ثلاثة أهداف، أو هكذا أتصور: أن نتعرف على الآخرين. وأن نكتسب معرفة توصّل إليها الآخرون ولم نتوصّل إليها. وأن نكتسب عادات فكرية اكتسبها الآخرون، ونعتقد أن في اكتسابنا لها ما يساعد على نهضتنا. وتحديد أهداف الترجمة على هذا النحو من شأنه أن يساعدنا في الإجابة على السؤال «ماذا نترجم؟» إذ من البديهي أننا لا نريد ولا نستطيع أن نترجم كل شيء، ولابد من الاختيار، والاختيار لابد أن يتعدد في ضوء الأهداف التي نتوخاها من الترجمة.

أما الهدف الأول، (التعرف على الآخرين) فنفعه لا ينحصر في مجرد الاستجابة للميل الطبيعي الذي يسمى حب الاستطلاع، بل قد يكون شرطا ضروريا للبقاء نفسه. فإذا كان الآخر عدوّا، فمن البديهي أن من مصلحتي أن أعرف أشياء كثيرة عنه لدرء خطره. وإذا كان صديقا فما اجدرني بزيادة معرفتي به حتى أعرف ما الذي يمكن أن يقدمه لي من عون.

وإذا كان حليفا محتملا فما أشد حاجتي لمعرفة الدوافع التي تحركه حتى أثير لديه الرغبة في الوقوف إلى جانبي. إن هذا هو الدافع بالطبع وراء إنشاء مراكز البحوث في الدول الغربية لدراسة ما يجرى في الاتحاد السوفييتي وبقية دول الكتلة الشرقية، طوال الحرب الباردة، وإنشاء مراكز بحوث مماثلة في الاتحاد السوفييتي لمعرفة ما يجرى في الغرب. وأظن أن علينا الاعتراف بأننا، نحن العرب، متخلفون بشدة في هذا الأمر.

فما أشد جهلنا حتى الآن بحقيقة مصالح الدول الكبرى فينا وكيف تتغير هذه المصالح مع مرور الوقت، وحقيقة تضارب المصالح داخل تلك الدول الكبرى، وأيّها أقرب إلينا مما يمكن استغلاله، وأيّها يتعارض تعارضا شديدا مع مصالحنا مما يفرض علينا اليأس منه. ناهيك عن جهلنا بحقيقة ما يجرى داخل إسرائيل.

إن معرفة لغات الآخرين ضرورية بالطبع لتحقيق هذا الهدف، ولكن الترجمة إلى العربية مهمة جدا أيضا لتحقيقه. فقارئ الصحف غير المتخصص، والمتابع لوسائل الإعلام بصفة عامة، وطلبة الجامعات، لابد أن تصلهم صورة ولو مجتزأة، لحقيقة ما يجرى في العالم، ولابد لتحقيق هذا من مترجمين.

هناك ثانيا هدف اكتساب معارف جديدة توصّل إليها الآخرون، ولم نتوصل إليها. وهذا الهدف يفتح أبوابا للترجمة لا نهاية لها، وفى مختلف فروع المعرفة، قد يكون أهمهما في الوقت الراهن العلوم الطبيعية والتكنولوجيا الحديثة، ولكنها تشمل أيضا ما أحرزته الحضارة الغربية من تقدم في العلوم الاجتماعية والإنسانية.

نحن نحتاج إلى اكتساب معارف كثيرة جديدة ليس فقط في علوم الطبيعة والكيمياء والفلك، وسائر العلوم الطبيعية، بل وأيضاً في الاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والتاريخ والفلسفة والآداب .. الخ. وهنا يثور السؤال المهم والصعب: إلى أي مدى يجب أن نعتمد في نقل هذه المعارف على الترجمة وإلى أي مدى يجب الاعتماد على تعلم لغات الآخرين؟

الإجابة الصحيحة بالطبع هي المزج بين الوسيلتين والجمع بينهما، ولكن بأي نسب؟ لقد سبق أن أشرت في مقال سابق إلى أن «التعريب» قد يكون ضروريا لإحداث نهضة في هذه الفروع من فروع المعرفة على أساس أن التجديد والابتكار (بل وحتى مجرد الفهم الكامل) يتطلب التفكير باللغة الأم. والتفكير باللغة الأم يتطلب التعريب وعدم الاكتفاء بمعرفة لغات الآخرين.

وأنا (كاقتصادي) أعرف جيدا الخدمة العظمى التي قدمها أوائل أساتذة الاقتصاد العرب (في الربع الثاني من القرن العشرين) الذين قاموا بترجمة بعض الكتب المهمة في الاقتصاد وبتعريب معظم ما استخدموه من مصطلحات، إذ إن هذا العمل الرائد مكنّ أجيالا تالية من الاقتصاديين من التفكير في القضايا الاقتصادية باللغة العربية، ومن تقريب طريقة التفكير في هذه القضايا، بين الدول العربية بعضها وبعض.

وعلى أي حال فإني أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال الصعب (كم نترجم وكم نعتمد على تعلم اللغات الأجنبية) يجب أن نعتمد فيها على بحث كل حالة على حدة. فليست هناك إجابة عامة جاهزة في هذا الشأن تصلح لكل أنواع المعرفة. نعم، في كل فرع من فروع المعرفة لابد من بعض الترجمة وبعض الإطلاع المباشر على أعمال الآخرين في لغتهم، ولكن على المتخصصين في كل فرع من هذه الفروع أن يبحثوا بعناية نوع الأعمال التي يجب أن تقرأ في لغتها الأصلية، والنوع الذي يجب أو يحسن ترجمته.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا الاختيار لا يجب أن يحدده فقط مستوى العمل وجودته، بل وأيضا مدى فائدته لنا في هذه الظروف التاريخية بالذات. فقد تكون هناك كتب أجنبية عظيمة أحدثت أثرا مهما وقت ظهورها ولكنها لم تعد مهمة في ظروفنا الحالية. ومن ثم قد يكون القيام بترجمتها من قبيل تبديد جهد ووقت ثمينين، كان من الأنفع توجيههما إلى ترجمة أشياء أكثر صلة بمشاكلنا الراهنة.

الهدف الثالث هو اكتساب عادات فكرية نحتاج إلى اكتسابها. وأنا أعنى بذلك، على الأخص، ليس مجرد تعلم بعض المناهج الحديثة في البحث، ولكن أيضا الاعتياد على النظر إلى شؤون الحياة والمجتمع والتاريخ نظرة أكثر عقلانية، وأقل تأثرا بالعواطف والأهواء.

إن من المفيد، ومما يقوّى الأمل، أن نلاحظ ما فعله جيل الروّاد من الكتّاب والمترجمين العرب، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، في تحديدهم لما يقومون وما لا يقومون بترجمته. فإن نظرة عامة إلى ما فعله هؤلاء الروّاد العظام، واكتشاف منهجهم في هذا الاختيار، جدير بمساعدتنا اليوم على تحديد ما نقوم بترجمته وما يحسن إهماله.

لقد كانت «العقلانية» ومحاولة نشر المنهج العلمي في التفكير والبحث من أهم معايير الاختيار لدى ذلك الجيل الفذّ من المترجمين، وما أجدرنا الآن أن نواصل السير في طريق شقّوه لنا منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وكادت العواصف للأسف أن تضيع معالمه.

كاتب مصري

sgsaafan@aucegypt.edu