اعتقد أن كثيراً منا مازالت مخيلته تختزل أحداث المسلسل السوري الملحمي الذي حمل عنوان «إخوة التراب» والذي كان يحكي قصة الثورة العربية التي شبت في مواجهة الاحتلال العثماني، كما أبرز المسلسل من خلال جزئيه وحشية الاحتلال العثماني وكيف قاومهم الشعب العربي والسوري على وجه الخصوص في تلك الفترة.
ولكن ما أبعد اليوم عن الأمس، عندما نعلم أن الدراما السورية والتي ساعدت على دمغ المخيلة العربية لفترة طويلة بالصور البشعة التي انتهجتها الأحزاب القومية التركية ضد العرب أصبحت اليوم عرابة الدراما الرومانسية التركية والمسؤولة عن تصديرها إلى العالم العربي، فها هي سوريا أصبحت اليوم بوابة تركيا الرئيسية للعالم العربي.
كان الهدف من هذا الاستهلال الدرامي عكس واقع العلاقات التركية العربية والتحول الجذري الذي شهدته بعد تسعين سنة مرت على انسحاب الجنود الأتراك من آخر معاقلهم في المشرق العربي وبالتحديد من بلاد الشام، فبعد الكراهية والعداوة أصبحت هناك علاقات التعاون والتقارب.
في الواقع تطورت العلاقات التركية العربية طوال تلك السنوات وانتقلت من طور الكراهية إلى طور اللا مبالاة وعدم اكتراث كل طرف بالآخر، وخرجت المخيلة العربية في تلك الفترة بعدة أنماط عن الجار التركي دمغت طبيعة العلاقة بين الطرفين، فاليسار العربي كان يرى في جاره دائم التبعية للغرب بالقياس إلى تجربة الحرب الباردة وانضمامها إلى حلف بغداد وحلف الناتو في الخمسينيات.
بالإضافة إلى علاقة تركيا بإسرائيل التي بدأت في فترة مبكرة تعود إلى المباحثات السرية التي بدأت في 1957، في حين أن مؤيدي الإسلام السياسي كانوا يرون في تركيا الكمالية بأنها كرست سقوط الخلافة الإسلامية وكانت السبب الرئيسي في تغريب وعلمانية تركيا وإخراجها من حاضرتها الإسلامية، مما يعني بالمنطق الضمني للصور النمطية السابقة أن الجمهورية التركية بنيت على أساس جريمة تاريخية؛
ولكن فات هؤلاء أن علمانية وكمالية تركيا قامت في وقت كانت فيه الخلافة العثمانية في مراحل احتضارها الأخيرة، وأن علمانية تركيا هي السبب الرئيسي اليوم في تداول السلطة السياسية مما مكن وصول حزب ذي أصول إسلامية إلى الحكم.
بمجرد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في عام 2003 تغيرت الصورة النمطية بين الطرفين وسرعان ما حاول الأتراك تدشين جسور التعاون بين الطرفين ورغم أن الاستجابات العربية كانت في وقتها ضعيفة إلا أن المتغيرات السريعة التي حدثت بعد حرب العراق وخطر المد الشيعي في المنطقة وتطلع دول المنطقة إلى طرح فكرة التوازنات خاصة مع الطرف الإيراني، والضغوط الدولية الكثيرة التي مورست على بعض الدول كسوريا على سبيل المثال عجلت جميع هذه الأمور في الفترة الأخيرة في فتح ثغرة كبيرة في سد العلاقات بين الطرفين استطاعت تركيا من خلاله إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة العربية حتى أصبحت اليوم أحد الفاعلين الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط.
في الواقع تركيا تحمل الكثير من المؤهلات التي تجعلها أحد الفاعلين الإقليميين بل وتستحق اللقب وبكل جدارة وخاصة في عهد رئاسة غل ووزارة أردوغان اللذين نهضا بالاقتصاد حتى أصبح يحتل رقم 17 في العالم،
ورغم أن تركيا حليف استراتيجي للولايات المتحدة إلا أن برلمانها رفض استخدام أراضيها في شن هجوم على العراق مما رفع من أرصدتها وحضورها المعنوي في العالم العربي، تركيا السنية ترتبط بعلاقات ملؤها الود والصداقة مع إيران الشيعية، تركيا اليوم تحاور إسرائيل وفي الوقت نفسه تحاور خالد مشعل زعيم المكتب السياسي لحركة حماس، تركيا اليوم حسمت سنوات الضياع مع الجار ذي العمق الطبوغرافي والديمغرافي السوري، حُسم موضوعا لواء الإسكندرونة والأكراد اللذان ظلا لسنوات طويلة أوراق ضغط في يد سوريا تستخدمها عندما يزداد حنقها ضد الأتراك،
أصبحت سوريا اليوم تشهد حضور عثمانلي رهيب في ديارها ابتداء من الملبس والمأكل والمشرب وانتهاءً بالاقتصاد والسياسة، ولم تكتف تركيا بسوريا بل عملت على تدشين علاقات صداقة مع السعودية وأصبح هناك حضور قوي بين الطرفين ساهم فيه عاملان رئيسيان أولهما زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز لأنقرة قبل عامين حيث تعتبر زيارة تاريخية لأنها كانت الثانية لملك سعودي بعد أربعة عقود، أما السبب الآخر فيرجع إلى حضور مهند ونور سفيري الدراما التركية في الدول العربية،
فأرقام السياحة التي شهدتها تركيا الصيف الماضي وخاصة من قبل السعوديين سجلت أعلى مستوياتها مقارنة بالأعوام السابقة وأرجع المحللون السبب في ذلك إلى عامل الدراما التركية بالدرجة الأولى. أما بالنسبة لمصر فمازالت العلاقات التركية المصرية يشوبها نوعاً من الحذر وخاصة من قبل الطرف المصري، فمصر لا تريد لطرف إقليمي خارج المنظومة العربية ينازعها دورها الريادي في المنطقة لذلك مازالت العلاقات مفرملة على عتبة القاهرة وأنقرة.
المأخذ على الدول العربية إنها لم تذهب مجتمعة تطرق أبواب أنقرة، فالمصلحة السورية تختلف عن السعودية عن المصرية، كل يغني على ليلاه المفقودة، وهذا طبعاً يعود إلى ضعف التنسيق العربي العربي، ولكن ينبغي على العرب أن يدركوا أن تركيا تعمل لحساب مصلحتها بالدرجة الأولى وتعمل وفق نظرية التوازن مع الجميع فهي تحتفظ لنفسها بمسافة مع الجميع إيران وإسرائيل والدول العربية وتتواصل معهم في الوقت نفسه بنفس الدرجة،
ولكن المنجز التاريخي الذي بحق يحسب لصالح الطرفين العربي والتركي بأن سنوات الضياع وإخوة التراب ولت وانتهت وحلت بدلاً منها سنوات الحب والتفاهم وإخوة المصير المشترك، وكأن تركيا أرادت إيصال هذه الرسالة في أول مسلسل تركي يصدر إلى العالم العربي.
كاتبة إماراتية