هل مازالت هناك عبر تستخلص من السنة الهجرية المنصرمة والتي سبقتها والسنة الهجرية المقبلة والتي ستليها؟

اليوم هو عيد السنة الهجرية الجديدة 1430 (وكل عام والمسلمين والعالم بخير).. وبعد غد عيد السنة الميلادية 2009 (نتمنى نفس الأمنية السابقة للجميع).. وسنة بعد سنة تتقلص المسافة بين التقويمين..

فإذا كان تاريخ 1/1/1 هجرية يوافق في ذلك العصر 16-07-622 فإن السنة الميلادية كانت تسبق السنة الهجرية بـ 622 سنة وسبعة شهور ونصف. أما اليوم فإن الفارق قد تقلص ليصبح 579 سنة بالتمام. بكلمة أخرى فإن المسلمين لحقوا بالمسيحيين بما يعادل 43 سنة منذ هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى اليوم. وهو رقم ليس بالقليل. ولا نعلم إذا ما أمد الله عمر الأرض قبل قيام الساعة متى سيتساوى التاريخان الهجري والميلادي؟ بالطبع هناك حاجة لآلاف السنين. ولكن ما دام الأمل موجودا فهناك إمكانية للحاق بهم!

وإلى أن يحين ذلك التاريخ علينا أن نسرع في حساب قيمة الوقت بالنسبة لنا ثم نحسب قيمة الإنسان. فهناك مئات السنين ضاعت هباء علينا، نحن المسلمين بالذات حتى أصبحنا كريشة في مهب الريح طائرة لا تستقر على حال من القلق. ورأى المسلمون في شتى بقاع الأرض من الويلات التي كانت تكفي أن تصنع منهم أصلب وأشد قوة في التاريخ، ولكن.

بالأمس كنت أقرأ كتابا عن سيرة الغزو المغولي الذي اكتسح العالم شرقا ثم اتجه غربا باتجاه الدويلات الإسلامية، والتي تساقطت أمامه في فترة زمنية قصيرة وكأنها من ورق اللعب ودكها وسوى بها وبأهلها الأرض وجعلها خرابا كما يفعل الجراد المنتشر بالبساتين والمزارع والنباتات والأشجار ويتركها صفصفا خاوية على عروشها تنعق فيها الغربان.

وما يحز في النفس أثناء قراءة تلك الفترة المؤلمة من تاريخ المسلمين هو ما وصل إليه حالهم من الشتات والتفرقة وقيام بعض المسلمين من شدة الخوف على حياتهم بالتعاون مع قادة المغول بغرض كسب مودتهم وكسر عزيمة المسلمين المقاومين الآخرين والتآمر معهم والخضوع والاستسلام لقادتهم رغم علمهم بعدم مصداقية وعودهم الكاذبة إلا أنهم أصبحوا لعدم ثقتهم في النفس أشبه بالفراشات التي ترمي بنفسها على لهيب الشمع.

وما أن وصل جيش المغول إلى أبواب مصر بعد أن صفى حساباته مع العراق والشام وفلسطين كان قد خلف وراءه ملايين القتلى من النساء والأطفال والشيوخ ودمر القلاع وأحرق الحرث ودمر حتى مراكز العلوم التي وصلت أنوارها إلى الشرق والغرب من الكرة الأرضية. وإذا بدويلات المسلمين تتحول بين ليلة وضحاها إلى عبرة لمن لا يريد أن يعتبر. حتى جاءت صرخة السلطان سيف الدين قطز المشهورة: (واإسلاماه!) والتي هزم فيها جيش المغول في معركة عين جالوت عام 1260 ميلادية بالطبع. وهي أول هزيمة لجيوش المغول منذ خروجهم لغزو العالم الإسلامي.

إننا نعيش منذ سنوات قليلة حكاية تشبه تلك، والغريب في الأمر أن الحكايتين متشابهتان في المكان: أفغانستان + إيران + العراق + سوريا + لبنان + مصر.. ومتشابهتان في الحدث: احتلال هذه المساحة الجغرافية الواسعة والقضاء على أهلها وتشريدهم.. ومتشابهتان في الهدف: وضع اليد على ما تزخر به هذه المنطقة من خيرات مادية واستراتيجية ونفطية.

وكادت تنجح هذه المهمة المستحيلة وحدث تماما ما حدث أيام غزو المغول من تفرقة المسلمين وتعاونهم مع العدو ضد آخرين وانتظر المسلمون الحاليون والعرب المعاصرون عين جالوت أخرى ولكنها لم تأت ولم تحدث لأنه لا يوجد قطز آخر ولا الظاهر بيبرس بل إن الأعجب من كل ذلك وما لم يحدث حتى في تاريخ غزو المغول أن المسلمين في هذا الزمن لم يكتف بعضهم بالتعاون مع المحتل سواء في العراق أو في فلسطين بل شكلوا جيوشا تقتل بعضها البعض وهي في الصفوف الأولى من المعركة ضد عدوهم المشترك!

لقد قرأنا جميعا قصة «واإسلاماه» للكاتب الكبير ذي الأصول الاندونيسية اليمنية والمصرية بالتجنس علي أحمد باكثير ونحن في المراحل الثانوية، ولم نفهم شيئا منها في ذلك الوقت لعدم تتبعنا لسياقها في التاريخ. بل هبطت علينا فجأة كقصة إجبارية وانتهى الأمر.

وكما أننا لم نستفد من عبرتها التاريخية فإن معظم المسلمين في العالم اليوم لم يستفيدوا من عبر غزو المغول للأمة الإسلامية في القرن الثالث عشر الميلادي. وهي ليست إلا بداية لمعرفة قيمة الزمن الذي نخسر قيمته الاسمية في كل يوم يمر مع طلوع شمس وغروب شمس وبداية سنة ونهاية سنة.

وإذا حصلنا على الوقت (وهذا ممكن الآن ونحن نمر بالأزمة الاقتصادية المحزنة والتي أرغمت الكثيرين على الابتعاد عن سوق الأسهم والعقارات والجلوس مع أنفسهم) وقرأنا كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه لبدأنا في تغيير أنفسنا، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وبعد ذلك يجوز أن نفكر كيف نجعل من أنفسنا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتؤمن بالله. إن صرخة «واإسلاماه» لا تكفي ولا تكفي صرخة «وامعتصماه»، ولكن الأرضية التي قامت عليها تلك الصرختان هي التي مهدت لنتائجها التي سطرها التاريخ.

أنا لا أبرئ نفسي، وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد، ولكننا جميعا في حاجة لمراجعة النفس مع هذا العام الجديد، ووضع الحسابات الخاصة طرفا، والنظر إلى ما يمكن أن نتركه إلى أحفادنا والبشرية والتاريخ بعد أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

نتمنى أن تصبح أزمة العالم الاقتصادية الحالية درسا وعبرة ليس فقط للعرب وللمسلمين ولكن للعالم بأسره، بأن قيمة الإنسان أغلى من كل نفط وذهب وخزائن العالم مجتمعة، وأن التعاون بين البشر من كافة الديانات والجنسيات والألوان واللغات من أجل حياة أفضل يجب أن لا يقوم على أهداف شخصية مادية مؤقتة بل إنسانية عامة بحتة، وإلا فإن حياتنا لن تتعدى واحدة من أشكال حياة المغول في البحث عن لا شيء!

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com