ما فتئ الرئيس جورج بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس يرددان في كل مناسبة أن سياسته حققت نجاحات هامة في شرق المتوسط، وعلى التحديد في فلسطين والعراق، ويلوكان إيجابيات وهمية يؤكد الواقع عدم وجودها بل على العكس فإن هذه السياسة أخفقت كما لم تخفق السياسة الأميركية يوماً في منطقتنا منذ دخولها إليها قبل ستين عاماً، لا أثناء الحرب الباردة ولا بعدها عندما أصبحت الولايات المتحدة القطب الوحيد الأقوى في العالم.

ففي فلسطين طرح الرئيس بوش شعار الدولتين الذي افتخر به كثيراً واعتبره منّة يقدمها للعرب وأكد أنه سيحققه خلال ولايته الثانية، ومرت الأيام دون أن تحقق السياسة الأميركية شرطاً من شروط الوصول إلى ما طرحه ولم تسر خطوة واحدة في الطريق إليه، وبقي الشعار قولاً وملهاة ما لبثت أن بهتت وتحولت إلى وسيلة تتشدق بها السياسة الإسرائيلية والساسة الأميركيون وكأنها جرعة مخدر لكسب الوقت وتبرير الخذلان وإخفاء النوايا.

ثم عقدت إدارة الرئيس بوش مؤتمر (آنا بوليس) الذي شاركت فيه أربعون دولة وانتهى إلى توصيات تؤكد ضرورة الوصول إلى اتفاق فلسطيني ـ إسرائيلي قبيل انتهاء ولاية الرئيس وإيقاف الاستيطان إضافة إلى توصيات أخرى، وهاهي الولاية تنتهي دون أن يتحقق شيء مما جاء به المؤتمر حيث ذهب هو واقتراحاته وتوصياته وقراراته أدراج الرياح، وبقي الحال كما الحال مع مزيد من الوحشية والبلطجة الصهيونية والصلف والاستهتار بالفلسطينيين وحقوقهم وتنامي الاستيطان وبطش المستوطنين بما لم تشهد مثيله الأراضي المحتلة من قبل.

غزت جيوش الرئيس بوش العراق متهمة نظامه بتهم متخيلة وكاذبة اعترف الرئيس نفسه بكذبها، ولم يستأذن أحداً في هذا الغزو ولم ينتظر رأي مجلس الأمن حتى ولم يعط المجلس علماً بفعلته، وأكد أنه سيقيم نظاماً ديموقراطياً في العراق يكون مثالاً للدول المجاورة، والذي حصل أن تسبب الغزو وتبعاته بمليون قتيل عراقي وأربعة ملايين مهجّر في الداخل والخارج وتدمير البنية التحتية للعراق، وحل جيش العراق ومؤسساته الاقتصادية والاجتماعية، والأشد سوءاً هو تحويل نظام الحكم فيه إلى نظام محاصصة طائفية لم يشهد العراق لها مثيلاً من قبل وتكريس تقسيم شعبه إلى طوائف وإثنيات، وتفكيك وحدة أراضيه،

وإضعاف الدولة المركزية العراقية، وتحويل السيادة إلى سيادات، حيث لم يعد العراق بعدها بلداً واحداً موحداً بل (كانتونات) وطوائف وإثنيات ومذاهب، وانتشر الفقر حتى أصبح العراقيون أكثر الشعوب العربية فقراً وعوزاً، وعم الفساد فأصبح النظام السياسي العراقي نموذجاً للفساد الذي لا حدود له، وربما يحتاج العراق لعشرات السنين إذا تيسر له نظام رشيد يصلح ما أفسده الغزو ويحقق الحد الأدنى من احتياجات الشعب العراقي.

وفي الوقت نفسه كلف الغزو الولايات المتحدة أكثر من أربعة آلاف قتيل وعشرات آلاف الجرحى ومئات المليارات من الدولارات هي تكلفة الاحتلال (إثنا عشر مليار دولار شهرياً) فضلاً عن مئة مليار دولار ذهبت هدراً في عملية (إعادة الإعمار) أي نهباً ورشوات وابتزاز لصالح الشركات الأميركية، ومع هذا كله ورغم انعدام الأمن وتفتت المجتمع وفقر الناس وعشرات آلاف المعتقلين في العراق يصر الرئيس بوش أنه حقق الديمقراطية في العراق وأنه أنجز الكثير هناك.

ربما لولا رد فعل المقاومة العراقية السريع والمبكر الذي أخذ منذ الأيام الأولى للاحتلال ينهك القوات الغازية لأكمل الرئيس بوش غزوه باتجاه سوريا، لكنه اضطر إلى تغيير سياسة الغزو ورأى تطبيق سياسة أخرى هدفها المعلن في ذلك الوقت (تغيير سلوك النظام السوري) ففرض عقوبات اقتصادية على سوريا وسحب سفيره فيما بعد منها وجمد أموال بعض المواطنين السوريين والشركات السورية وأقر مقاطعة سوريا وفرض العزلة عليها رغم تعاون الحكومة السورية مع سياسته في (مقاومة الإرهاب).

ورفع شعار تحقيق الديمقراطية في سوريا ثم ما لبث أن تناساه واستبدل به شعار تخلي سوريا عن دعم (المنظمات الفلسطينية الإرهابية) وحزب الله اللبناني وغيرها من المطالب التي لم تستطع سياسة الإدارة الأميركية تحقيق أي شيء جدي وملموس منها.

استغلت إدارة الرئيس بوش اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وحاولت اللعب على أوتار الخلافات اللبنانية الداخلية، الطائفية منها والمذهبية والسياسية، ودأبت على تكرار أنها صديقة للبنان ولا تريد إلا تحقيق أمنه واستقراره وسيادته وازدهاره، وما أن بدأ العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 حتى دعمته وطالبت الحكومة الإسرائيلية عدم توقف القصف والتدمير، ورفضت تسليح الجيش اللبناني وتقديم مساعدات مالية واقتصادية للبنان، وتبين بوضوح أن أهدافها الحقيقية في لبنان لا تتطابق مع أهدافها المعلنة.

وهكذا لم يعد أي مسؤول في إدارة الرئيس بوش يجرؤ على الحديث عن شرق أوسط جديد أو عن الديمقراطية أو الأمن والاستقرار والازدهار، لأن فشل سياسة الإدارة كان أبلقاً وكبيراً وعاتياً على التمويه أو التبرير، وعادت الشكوك بالموقف الأميركي إلى نقطة الصفر التي كان عليها قبل انتهاء الحرب الباردة.

لقد قدمت سياسة الرئيس بوش العربية مكاسب لإسرائيل بإطلاق يدها في الأراضي المحتلة وبتدمير العراق، كما قدمت هدية أسطورية لإيران حيث فتحت لها أبواب العراق وربما أبواب الشرق الأوسط، أما المزاعم بتحقيق نتائج إيجابية وانتصارات ومكاسب فما هي في الواقع سوى تخرصات وأوهام.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org