العلاقات الأميركية الروسية يشوبها دائما عامل انعدام الثقة، وهذا في حد ذاته أمر طبيعي بين بلدين نادرا ما تلتقي مصالحهما واستراتيجياتهما على الساحة الدولية، وكما يقول سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية ان موسكو وواشنطن لن تستطيعا تحقيق الإمكانات المتوفرة لإقامة التعاون الثنائي البناء الطويل الأمد من دون استعادة الثقة بينهما.
الروس يأملون أن تخرج أميركا من عملية التحولات العميقة التي قد أعلنتها إدارة اوباما مسترشدة لا بتميزها عن الآخرين، بل بشعورها كجزء لا يتجزأ من الكل، فالمشكلة أن الولايات المتحدة لا تفكر في مصالح الشعوب ألأخرى إلا نادرا وبقدر تطابق هذه المصالح وتقاربها مع مصالحها. وهذه مشكلة عويصة يصعب حلها، إنها الأنانية الدولية التي لم تكن في التاريخ لدى أية دولة أو قوة عظمى مثلما هي الآن عند أميركا. علاقات روسيا مع الولايات المتحدة تشهد الآن مرحلة غير بسيطة، وثمة اختلافات مبدئية في المواقف من القضايا العالمية الكثيرة. لكن الأهم هو أزمة الثقة التي يصعب معها التعاون الثنائي البناء الطويل الأمد بين البلدين.
ومن الواضح أن روسيا مستعدة لتعاون واسع النطاق مع الولايات المتحدة، ولكن على واشنطن أن تتخلى عن منطق الزعامة في التعامل مع دولة مثل روسيا التي لا يمكن أن تسلم بهذه الزعامة الآن، خاصة وأنها لم تسلم بها في سنوات الضعف في التسعينات من القرن الماضي، وعموما إذا أرادت أمريكا أن تصبح زعيمة للعالم فعليها كما قال وزير الخارجية الروسي لافروف انه «ينبغي اليوم البرهنة على المقدرة في الزعامة الحقيقية في مجال حل القضايا العالمية سواء كان ذلك يتعلق بالفقر العام أو امن الطاقة أو الأمن الغذائي أو تغير المناخ».
وتسعى روسيا شأنها شأن الاتحاد الأوروبي إلى إعادة صياغة علاقتها مع الولايات المتحدة على أساس المساواة في الحقوق، حيث سيدور الأمر في إطار مثلث متساوي الإضلاع (أوروبا وروسيا وأميركا) وفي إطار التعاون الحضاري المتكافئ الحقوق بين الأطراف الثلاثة يمكن تشكيل الزعامة الجماعية التي ترضى بها باقي دول العالم.
على الأميركيين أن يؤمنوا بشيء هام وهو ضرورة إعادة الأجندة العالمية كلها بغية تنسيق صيغتها الجماعية، عليهم أن يفكروا بسرعة قبل فوات الأوان في بدء التعاون الجدي مع روسيا، وليس من الضروري أن يبدؤوا من الصفر، فلديهم قاعدة مشتركة لذلك، وهي أهداف ومبادئ واردة في ميثاق الأمم المتحدة، فقط تحتاج إلى إعادة النظر في سبل تطبيقها، إذ إن سبب تفاقم الأوضاع الحالية في العالم يكمن في صورة العالم المرسومة في الغرب للجميع منذ عام 1992 والتي أثبتت عدم مصداقيتها تماما.
ولا شك أن الأزمة المالية الراهنة هي فرصة سانحة لإعادة لفت اهتمام اللاعبين الأساسيين إلى القضايا الحقيقية، الأمر الذي يمكن أن يتحول إلى دافع قوي لتطوير النزعة في المستقبل نحو التعاون المتبادل وجعل العلاقات الدولية تخلو من الروح العسكرية والإيديولوجية، ويمكن أن يشكل التعاون الوثيق في مسألة التغلب على الأزمة الراهنة الظروف والحد الفاصل اللازم للانتقال للثقة من أجل حل القضايا الأخرى. وزد على ذلك، فثمة أساس للاعتقاد بان إنشاء البنية المالية المتعددة الأقطاب سيكون عنصرا حازما في إصلاح الإدارة العالمية.
أما المكونات الباقية فتشغل مواقعها الطبيعية من تلقاء نفسها. وسيحد الطابع الجماعي للمنظومة الجديدة إلى حد كبير من إمكانية إعادة التقسيم الجيوسياسي للعالم من جديد. الولايات المتحدة بحاجة ملحة الآن لإعادة بناء الثقة ليس فقط مع روسيا بل مع جميع دول العالم، بما فيهم أقرب حلفائها وأصدقائها، وعليها أن تفكر قبل كل شيء في التوجه للشعوب قبل الأنظمة، فالشعوب هي المقياس الحقيقي لاستعادة الثقة، ونحن في غنى عن شرح المستوى المتدني الذي وصلت إليه الولايات المتحدة لدى شعوب العالم جميعها بلا استثناء، ونأمل أن يكون هذا الأمر واضحا بشكل جيد للإدارة الأميركية المقبلة في يناير المقبل.
كاتب ومحلل سياسي روسي