«ان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لا يقف فقط موقف المتفرج حيال قصف إيران وتركيا لإقليم كردستان، وإنما يشعره ذلك القصف بالسعادة». هذا ما صرح به الدكتور محمود عثمان أحد القياديين في التحالف الكردستاني في العشرين من ديسمبر الجاري معلقاً على الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي في الرابع والعشرين من الشهر الجاري إلى كل من تركيا وإيران في إطار الاجتماعات الدورية للجان العليا المشتركة بين العراق والبلدين.

هذه الكلمات فيها ما فيها من المعاني التي تعكس الود المفقود بين من جمعتهم كراهية النظام السابق ولم تجمعهم أجندة ترسم مستقبلاً زاهياً للعراق، كما أن فيها ما فيها من مرارة القيح الذي طفا على سطح الجراح العميقة التي تأبى الالتئام داخل التحالف الرباعي الذي أصبح قيماً على حاضر العراق ومستقبله منذ سقوط النظام السابق. ما الذي ينتظر العراق وقد أمسكت بتلابيبه أحزاب تشغل نفسها بالتخطيط لمواجهة بعضها البعض أكثر مما تشغله في معالجة مشاكل البلد الذي امتلأ جسده بالجراح؟ وما الذي يترتب على فقدان الثقة وغياب النوايا الحسنة بين الشركاء في العملية السياسية؟.

هذه ليست المرة الأولى التي يبدي فيها التحالف الكردستاني قلقه من زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى تركيا. فقد أبدى قلقلاً مماثلاً حين أقدم رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري على زيارة تركيا في التاسع عشر من مايو عام 2005 بعد تسلمه منصب رئاسة الوزارة على رأس وفد ضم مجموعة من الوزراء لم يكن بينهم وزير الخارجية هوشيار زيباري. حيث أطلقت تلك الزيارة شرارة معاداة التحالف الكردستاني للجعفري وتصميمه على إبعاده عن رئاسة الوزراء بعد الانتخابات الأخيرة.

وما يقلق التحالف الكردستاني هو اللقاء المغلق الذي سيعقد بين المالكي وبين رئيسي الدولتين المقرر ضمن جدولي الزيارتين، فحول هذا الموضوع بالذات ذكر محمود عثمان في تصريحه المشار إليه: «يساورني القلق والشكوك من كل زيارات المالكي إلى تركيا وإيران سيما وأن فرض ضغوط أكبر على الإقليم يعد أحد محاور مباحثات المالكي مع البلدين في وقت يجتمع فيه على انفراد مع الرئيس التركي عبدالله غول والإيراني أحمدي نجاد».

إقليم كردستان يعاني من ضغوط شديدة محلية وإقليمية، فعلى المستوى الداخلي تفاقمت الخلافات بين سلطات الإقليم وبين المركز إلى درجة خطيرة اقتربت من التصادم عند نقاط التماس في المناطق المتنازع عليها، وازدادت خلافاته مع كتل سياسية كثيرة وأصبحت أجندته في عزلة أكثر من أي وقت مضى بسبب إصراره على خصوصية الإقليم الذي يتمتع بوضع أقرب إلى وضع الدولة المستقلة.

أما على المستوى الإقليمي فهو في موقع لا يسر كثيراً إذ يتعرض لضغوط شديدة من دول الجوار العراقي خاصة تركيا وإيران اللتين ما انفكتا تقصفان قراه الحدودية وتعملان على اختراقها مستغلتين سكوت الحكومة العراقية وعدم رغبتها في التصدي لذلك سواء كان ذلك عن ضعف أم رغبة في تسليط الضغوط على سلطات الإقليم لإشعاره بعدم معارضة المركز لحوار المدافع على الحدود الشمالية والشرقية للإقليم.

السياسيون الأكراد قلقون من زيارة المالكي لكل من أنقرة وطهران خاصة في ظل الظروف التي تدهورت فيها العلاقات بين أربيل وبغداد إلى درجة شبه القطيعة ومع قرب موعد انتخابات مجالس المحافظات في يناير المقبل ومع زيادة خلافاتهم مع الكتل السياسية الأخرى. فما الذي يمكن أن تتمخض عنه زيارة المالكي إلى عاصمتي الجارتين تركيا وإيران؟

هنالك ملفات هامة مفتوحة مع الجارتين تركيا وإيران، فمع تركيا هنالك قضية المياه وتصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي والموقف من الحزب العمالي الكردستاني التركي وقضية كركوك وربما قضايا أخرى لم تظهر إلى العلن. أما مع إيران فهنالك قضايا أخرى شائكة لعل أبرزها التدخل الإيراني في الشأن العراقي على مستويات مختلفة وحاجة العراق إلى طمأنة إيران بعد توقيعها الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة.

عبر تأريخ طويل من تعامل الحكومة المركزية في بغداد مع المطالب القومية الكردية كانت إيران تمثل البعد الحيوي للثوار الأكراد بقيادة مصطفى البارزاني ومجال إضعاف قدرات العراق العسكرية والاقتصادية عبر إستراتجية مدروسة بعناية أتت أكلها في حصول إيران على مطالبها في شط العرب عام 1975 حين وقع الرئيس العراقي السابق مع شاه إيران اتفاقية الجزائر.

إيران في الوقت الحاضر لا تلعب اللعبة ذاتها فالقواعد قد تغيرت بشكل كبير، فأكراد العراق الذين ساندتهم في ستينات وبعض سبعينات القرن المنصرم وباعتهم في صفقة واحدة لم يعودوا بحاجة إلى مساعدتها فقد انتقلوا من وضع الثورة إلى وضع الدولة وحققوا منجزات كبيرة وأصبحوا رقماً مهماً في المعادلة السياسية العراقية ويطمحون لأن يكون لهم على المستوى الإقليمي وضع يتناسب مع ما حققوه على المستوى المحلي عبر تحالفهم مع الولايات المتحدة.

فبقدر ما كانت المساندة الإيرانية في السابق تعبيراً عن إستراتيجية هجومية فان القصف الإيراني المستمر للمناطق الحدودية الكردية المتاخمة لإيران يمكن أن يفسر على أنه جزء من إستراتيجية الدفاع التي تنتهجها طهران إزاء التهديدات التي تستشعرها بسبب حصول أكراد العراق على ما حصلوا عليه من حقوق علماً بأن هنالك ما يزيد على الستة ملايين كردي يسكنون إيران في المناطق المتاخمة لإقليم كردستان. فطهران ترى أن إضعاف الإقليم الكردي العراقي يدخل ضمن إستراتيجية تعزيز أمنها القومي.

وفي الوقت الذي يرى التحالف الكردستاني بأن القصف الإيراني للقرى الكردية الحدودية يشكل عملاً عدوانياً يتعارض مع المواثيق والأعراف الدولية وإساءة لعلاقة حسن الجوار بين العراق وإيران كما ورد على لسان النائب عن التحالف الكردستاني ونائب رئيس المجلس النيابي العراقي عارف طيفور في التصريح الذي أدلى به لراديو دجلة في الثاني والعشرين من ديسمبر الجاري، فإن حكومة المالكي ربما تقرأ الوضع السياسي الإقليمي بطريقة مختلفة.

فهي لا تنظر إلى ما تقوم به إيران وتركيا من اعتداءات على إقليم كردستان على أنها انتهاك لسيادة العراق بدليل أنها لم تعترض على ما تقوم به إيران منذ سنوات من جهة وأقرت شرعية ما تقوم به تركيا كما كان الحال إبان النظام السابق من جهة أخرى. فهي ترى بأن القصف التركي والإيراني ليس غير ضغوطات تصب في صالحها إذ تضعف الإقليم وتحجم من قدراته التفاوضية وتجعله أكثر حاجة لحماية المركز.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae