لا يمكن تجاهل الدور الأساسي للمؤسسات العلمية من خلال علاقتها ومكانتها في المجتمع بالتنمية الحاضرة وقراءة الواقع وتحليله وقدرة عقولها العلمية على الاستيعاب والاستشراف المستقبلي. وفي أغلب المجتمعات المتقدمة، تقوم الجامعات، لكونها حاضنات الفكر وامتلاكها ورش البحث والتحليل والاستشعار على المدى الطويل، بدور فاعل فيها، بل تكاد تكون هي السبب في ذلك التقدم، فلا يمكن أن تنعزل الجامعة عن طموحات وهموم مجتمعها، وإذا ما انعزلت فإن انعزالها يشكل خسارة كبيرة.

منطلق الحديث يأتي من السؤال حول دور الجامعات والأكاديميات الوطنية ومدى إسهامها وشراكتها الحقيقية في طموحات وأحلام وهموم المجتمع، ومدى المساحة المفتوحة لها لممارسة هذا الدور لأساتذتها وطلابها على اعتبار أن الجامعة تشكل مختبرا حقيقيا للقياس والبحث وعلى اعتبار أن طواقمها من أساتذة وعقول أكاديمية هي قدرات وطاقات يمكن الإستفادة منها بشكل فاعل من خلال الرأي والمشورة العلمية للعديد من القضايا الإنسانية وأيضاً التقنية.

جامعة الإمارات واحدة من الأكاديميات المنتشرة في البلاد، وهي الأقدم، وهي الأكثر التصاقاً بالمجتمع باعتبارها الأكثر قرباً والأكثر معاصرة لقضاياه، وهي الأهم باعتبارها الأكاديمية الوطنية التي تجمع في حرمها من الخبرات والعقول المؤهلة علمياً من أبناء الوطن، ولهذا فهي الأكثر استعداداً بأن تصبح مكان البحث والاختبار والقياس والتحليل لقضايانا الوطنية وهي الأحرص أيضاً على تحقق الأهداف الوطنية العليا.

منتدى الحوار الوطني الذي نظمته جمعية أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإمارات مؤخرا وضم نخبة من العقول والطاقات المشهود لها بالعلم والخبرة والوطنية من أبناء البلد والذي تناول قضية من أهم القضايا الحاضرة بثقلها على واقعنا اليوم «انجازات الاتحاد، الواقع والتطلعات»، يعقد للمرة الأولى، ونقول للمرة الأولى بعد سنوات طويلة من عمر الجامعة، وهو أسف كبير على هذا التأخير، فهذا المنتدى وما تمخض عنه من حوار وطني وصف بالساخن والجاد لأمس العديد من القضايا الجوهرية التي تثقل كاهل الهوية وتقلق الحاضر والمستقبل.

وفتحت الأوراق التي تداولها المنتدون من أعضاء هيئة التدريس بؤر الضوء على تلك القضايا المؤرقة في إطار من التحليل والبحث والدقة العلمية والحس الوطني العالي، وهذا ليس بغريب على أكاديميين مثلهم، وما خرجت به أوراقهم من فحص وتدقيق ومقاربات ومقارنات وأسئلة صريحة للواقع المؤلم في شأن الهوية والتركيبة السكانية واعتلال الميزان بين المحلي والاتحادي تعد بمثابة وثيقة بحث علمي مهمة لا يجب أن تعبر عبوراً عادياًً.

هنا نقول: إن الجامعة تمارس دورها وتتفاعل مع مجتمعها وقضاياه، ومن طاولة مثل هذا المنتدى الذي نأمل أن تبقى ورشته البحثية قائمة ومستمرة على الدوام، بإمكاننا أن نعزز فعل المشاركة، وأن نلتحم من أجل مواجهة القضايا التي تؤرقنا، وأن نستثمر عقول أهل العلم والخبرة الأكاديمية منا.

mhalyan@albayan.ae