يعود اختراع الحذاء إلى ما قبل أربعين ألف عام، ولعبت الأحذية دورا في الحفاظ على عظام القدم، ولم يكن في حسبان مخترعها أن تلعب دورا آخر غير الدور الذي اخترعت من أجله، وهو المحافظة على القدمين من وعورة الأرض، لكن الحذاء كان ولا يزال هو الوسيلة التي تقوم بكثير من المهمات الصعبة.

فالركل والسحق أصبحا من أهم وسائل التعذيب التي يقوم بها الحذاء طوعا وكرها، وعبر كثير من الأمثال الشعبية عن هذا الاتجاه مع اختلاف المسميات الشعبية لـ «الحذاء»، فالبعض يقول «نعال» والبعض يسميه «صرماية» و«كندره» و«شربيل» و«بلغة».

ويعد الحذاء هو الأداة الأكثر تعرضا للسرقة، بخاصة حين يدخل المسلم للمسجد تاركا حذاءه لمزاج «حرامية النعول»، ومؤخرا تعرض رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة وقيادي حماس إسماعيل هنية لموقف طريف تمثل في سرقة احد الأولاد لحذائه أثناء حضوره لوليمة أقيمت على شرفه في حي الشجاعية بغزة، ولعله ليس الحذاء الأخير الذي سيسرق في عالمنا العربي.

أما بالنسبة لحادثة الزيدي فإنها لم تكن الحادثة الأولى من نوعها التي يتحدث فيها الحذاء ويصمت الجميع، بل كان للحذاء وقع مسموع حين تكون لغة الحوار شبه معدومة، فقد طرق الرئيس السوفييتي السابق خروتشوف بحذائه على منصة الأمم المتحدة في إحدى جلساتها الشهيرة لنقاش موضوع الحد من التسلح آنذاك.

فما كان من رئيس الوزراء البريطاني إلا الاعتذار لعدم فهمه لانفعال الرئيس السوفييتي، لكن خروتشوف كان يهدف من وراء هذا الفعل غير المتوقع التعبير عن حنقه لسياسة الغرب، وبالفعل استطاع خروتشوف أن يسدد صفعة على وجوه الحاضرين وأصبح حذاؤه الأشهر بمقاسه الضخم.

أما في التاريخ السياسي الإسلامي فلا نزال نتذكر السلطانة شجرة الدر التي تبوأت عرش مصر وحكمت في فترة انتقالية كانت تعج بالقلاقل وبحروب دامية مع الصليبيين، واستطاعت بحنكتها أن تخرج بالبلاد إلى بر الأمان حتى تنازلها عن العرش لزوجها الملك المعز، ولكن حين انقلب عليها زوجها دبرت له مكيدة لإنهاء حياته.

ومن المفارقات أن يكون الحذاء هو الذي يكتب نهاية سيرة سيدة عظيمة كانت تمثل علامة فارقة في التاريخ السياسي الإسلامي، وتذهب ضحية الغيرة النسائية لتقوم الزوجة الأولى للملك المغدور بتسليط جواريها لضربها بالقباقيب حتى الموت ورميها من فوق أسوار القصر، ولعل القبقاب في هذه الحادثة التاريخية كان يمثل قمة الإهانة البشرية لشخص الملكة، وهذا كان بيت القصيد أن يترك موتها صدى يدوم عبر الزمن.

وها هو الحذاء يعود للأضواء من جديد في التاريخ المعاصر، فبعد دخول القوات الأميركية لبغداد شاهد العالم الرجل الذي حمل صورة صدام حسين بيد ونعاله بيده الأخرى ليكيل الضربات للصورة منهيا عهدا من سيادة الحذاء فوق رؤوس المواطنين، لكن بعد فترة ليست قليلة لعب الحذاء دورا وفي العراق أيضا حين وجهت للرئيس السابق إياد علاوي عشرات الأحذية التي عبرت عن رفض أهل النجف لعودة البعثيين مرددين «كلا كلا علاوي».

ومن يقترب من سياسة الأحذية في العالم يكتشف أن هناك فرقا ضخمة تلعب دورا في تلميع الأحذية، وبخاصة من الساسة، فكما يحلو للبعض تسميتهم «ماسحي الأحذية» فإن هؤلاء يقومون بإعادة قراءة الأوضاع السياسية في المنطقة من منطلق «تزويق» و«ترقيع» الواقع التعس كي يستطيع المواطن العربي بلع ما لا يمكن بلعه، ولعل ولع هؤلاء بذر الرماد في العيون، هو الذي فاقم الوضع لدرجة لا يحتمل فيها الرجل الشريف الصبر على الظلم والقهر.

ولعل حذاء الزيدي كان ردة فعل مباشرة للاستهانة بهذا البلد العظيم الذي يستقبل بكثير من الحب والامتنان بوش الابن الذي وقف مبتسما لعدسات العالم، دون أن يدرك أن هناك من يريد رميه بما هو اكبر من حذاء الزيدي الطائر، وربما كان هذا الوداع المستحق لحقبة رئاسته وقبلة الختام التي طال انتظارها، وكما يقال فإن ختامها مسك، أبى العراقيون إلا أن يسجلوا قصة وداعهم للرئيس الأميركي الثالث والأربعين، بحروف من ذهب عبرت عن كثير مما لا يمكن ترجمته إلا بالفعل.

ولعل الشعراء هم الأكثر قدرة على التعبير عن المشاعر التي اعترت الشارع العربي بفرحته بسياسة الحذاء، وامتلأت الصفحات البيضاء وصفحات الانترنت بالمديح والثناء على حذاء الزيدي، وجاءت القصائد لتخلد ذكرى هذه الحادثة السياسية بعد أن تقبلها بوش نفسه برحابة صدر، ووجدت وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس أنها احد نتاجات الحرية التي بدأ العراق يرفل فيها بسبب الولايات المتحدة.

وإذا كان حذاء الزيدي لم يتجاوز الحدود العراقية، إلا أن الأحذية ظلت تطارد بوش، فبعد فضيحة رميه بالحذاء في بغداد وقف عشرات المتظاهرين أمام البيت الأبيض وهم يحملون حقائب مليئة بالأحذية، لتعبر عن تضامنهم مع الزيدي بالدرجة الأولى وترمز في الوقت نفسه إلى العراقيين والجنود الأميركيين الذين قُتلوا في العراق منذ الاحتلال الأميركي الذي قاده بوش في مارس عام 2003.

وقال جيفري ميليارد من منظمة «محاربي العراق القدامى المناهضين للحرب»: «إن إلقاء فردة حذاء على جورج بوش يُعدُّ شيئًا لا يُذكر أمام المعاناة التي يمر بها المحاربون القدماء والعراقيون يومياً، فلربما لو أمكن لبوش رؤية المزيد من هذه الأحذية قبل مغادرته منصبه لشعُر ببعض الألم». إذن سيبقى الحذاء حتى فترة قادمة هو سيد الموقف، وستبقى هذه الحادثة خاتمة سعيدة لشرفاء الأمة، وكل عام وانتم بخير.

m.alemarat@gmail.com