اليولة فلكلور شعبي كاد يندثر، مثلما اندثرت تفاصيل كثيرة في ثقافتنا الشعبية، بعد أن هبت رياح التغيير وبعدما ذهبنا بعيداً في التمدن، ونتيجة لسنوات طويلة تغافلت فيها مؤسسات يفترض انها راعية للفنون والتراث الشعبي أمر الاهتمام به وحفظه وتفعيله وإيصاله بأمانة إلى الأجيال الشابة.

أيام زمان وأيام كنا فيها صغارا، كنا نتحلق حول صفوف رجال فن العيالة في الأعراس التي تقام في الأحياء، كنا نرقب ذلك الرجل «اليويل» الذي يتوسط المجموعة بسلاحه القديم، يمشي به مشيا ايقاعيا، يرفعه إلى فوق ثم يقذفه إلى الأعلى في استعراض واداء تعبيري جميل، ايامها ونحن صغار كنا نفهم ان هذا الرجل يرقص مزهوا بسلاحه، بعدها تمدنا وتحضرنا وتحولت أفراح الأعراس من ساحات الحي إلى قاعات الفنادق «الفايف ستار» واقتصرت المسألة على «عزومة بوفيه» وتقديم التهاني والتبريكات للعريس واهله.

أصاب فن اليوله مثل ما أصاب الكثير من مفردات الهوية والثقافة الشعبية من اندثار، لكن مشروعا إحيائيا أصيلا أعاد هذا الفن إلى الواجهة، وصار حاضرا لدى الشباب والأطفال أكثر من حضوره لدينا نحن الجيل السابق لهم، اليوم في كل بيت يوجد السلاح الرمزي لرقصة اليولة، وامتلأت العديد من المحال التجارية بهذا الرمز، بل وتخصصت محلات من جلب الأفضل والمناسب منها والتي صممت خصيصا لتناسب قبضة اليويل، فيما تم تصنيع مشابهات لهذا السلاح للأطفال الصغار.

أعيد أحياء فن اليولة بشكل واسع، وبدأت الناس تتعاطى مع فنونه الأدائية، وصار له أبطال وأسماء ونجوم معروفون أسهموا في ابتكار فنون حركية وادائية تعد تطويرا لفن اليولة الأصلي. أعيد جانب من الفلكلور الشعبي إلى الحياة بشكل كبير وواسع.

واهم مشاريع هذا الإحياء بطولة فزاع لليولة والتي يرعاها رعاية مباشرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم التي تعبر هذا العام عامها الرابع بانطلاقة أوسع إلى الفضاء الخليجي مع أهداف بتوسيع المشاركات فيها على المستوى العربي.

هذا الإسهام الكبير استطاع اليوم ان يعبر بفن من فنوننا الذي يعبر عن خصوصيتنا وهويتنا إلى واقعنا الحاضر، واقعنا المتمدن والمتحضر، بل ان هذا الإسهام استطاع ان يطور ويعدل في هذا الفن الفلكلوري بحيث أصبح على الشكل الذي نراه اليوم، اليوم مئات من جمهور الشباب صار يستهويهم هذا الفن ويتابعون تفاصيله، وعلى جوانبه ازدهرت الاهازيج والأغاني المصاحبة له، اي بمعنى آخر ان أحياء هذا الفن استدعى أحياء وتجديد فنون موازية له.

هذا التقديم المطول ليس مدحا مجانيا في مشروع كبير لإحياء فن من فنون أصالتنا وتراثنا وثقافتنا الشعبية، لكنه مجرد إشارة إلى أننا بالإمكان إحياء تراثنا وتفاصيله الدقيقة وبعثها في الحياة لتكون حاضرة ومؤثرة كما نريد لهويتنا الحضور اليوم، وبإمكان ربط الأجيال الشابة الحاضرة والمقبلة بكنوز ثقافتهم الشعبية وخصوصيتها لو اننا نظرنا بعين الاعتبار لأهمية هذا الأمر ومدى تأثيره.

انتشرت عدوى اليولة اليوم بشكل ملفت للنظر ووصلت للأطفال الصغار من أولاد وبنات، وتعدى هذا التأثير إلى الجاليات العربية والأجنبية وهذا هو الحضور في مسألة الخصوصية والثقافة الشعبية، وعلى هذا المنوال الجاد بإمكاننا ان نفعل الشيء لكثير من كنوز ثقافتنا.

mhalyan@albayan.ae