نحن شعوب مغرمة بالإثارة. وهذه ربما واحدة من أسباب تخلفنا العلمي والتقني والثقافي. والشخص الذي يبحث عن الإثارة كثيرا ما يبتعد عن البحث عن الحقائق ويظل يجري خلف أوهام خيالاته وانفعالاته.

انتهت مسرحية الحذاء. وصنف خبراؤنا حذاء منتظر الزيدي ضمن أشهر ثلاثة أحذية عرفها تاريخ البشرية: حذاء خروتشوف السياسي في الأمم المتحدة عام 1960 وأحذية إيميلدا ماركوس البرجوازية وحذاء الزيدي الأخلاقي.

المسرحية انتهت، ووصلت بنا الإثارة إلى درجة الدخول في مقارنات الحدث بأعمال مقاومة حزب الله في الجنوب من حيث أنه رفع رأس العرب للأعلى وخفض رأس الولايات المتحدة للأسفل وبأنه انتصار الشرق على الغرب، وأنه ضمن تتابعات صراع الحضارات ومازالت الاضطرابات والانتفاضات (حسب ما ذكره موقع السي أن أن) النعلية مستمرة على مستوى الصحف والمجلات والإعلام وخصصت بعض القنوات حلقات خاصة للحدث العظيم الذي هز العالم.

كل ذلك صحيح. وكلنا يقر بأن المسألة كانت مضحكة جدا ومثيرة جدا ومهينة لأبعد حد لإمبراطورية كانت وكان إمبراطورها حتى هذا الحدث أعظم رئيس وأعظم دولة في العالم. وأنه ما من آلة تستطيع أن تمحي من ذاكرة التاريخ رمية (مهينة) بهذا المستوى.

لكن ما يحز في النفس عندما نراجع أنفسنا بهدوء كعرب ضمن شعوب العالم، بأنه بعيدا عن الضربة التي أخطأت الهدف، والتي حتى ولو أنها أصابت العلم الأميركي تمكن بوش من تفاديها بمهارة مرتين متتلايتين بفارق عدة ثوان فقط، أن ما يحز في النفس أن الشعوب العربية تُضرب على رؤوسها منذ عقود طويلة بأحذية أغلى ثمنا من أحذية إيملدا ماركوس بضربات حرة مباشرة بسبق الإصرار دون أن نشعر لا بالألم ولا بالإثارة ولا الغضب ولا بالثورة ولا الإهانة.

ولم يجرؤ أي صحافي عربي حتى اليوم أن يتفوه في بلده بكلمة واحدة في أمر يمس رئيسه ونظامه وطريقة حكمه ولا حتى في كيفية التصدي لمصادرة حرية شعبه فما بالكم بأن يقذف في وجهه الحذاء. هذا الرئيس الذي كان هدفا لسخرية العالم اليوم ينتمي إلى أمة بدأت من لا شيء وأصبحت أعظم قوة في التاريخ المعاصر على المستوى العلمي والحضاري والعسكري، واستطاعت أن تتحكم في مصائر شعوب العالم ومنها بالطبع من زمن طويل شعوبنا المغلوبة على أمرها.

ويكفي هذا الرئيس أنه لم يصل إلى كرسي الحكم عن طريق النسب المئوية المحددة مسبقا والمتوارثة ولا بالانقلابات العسكرية وإنما باختيار حر ومطلق من قبل شعبه وبناء على برنامج انتخابي سياسي واقتصادي واستراتيجي واضح ومحدد.

بالطبع نحن نختلف مع كيفية تطبيق سياساته خارج بلده، ونرفض جملة وتفصيلا كيفية تعامله معنا ومع قضايانا المصيرية وكيفية سماحه لجنوده بأن يدوسوا بأحذيتهم على رؤوس الشعب العراقي ليل نهار دون أن تتفوه الأمة العربية من أقصاها إلى أدناها بكلمة واحدة.

وفي المقابل علينا أن نعترف قبل أن نرمي بيوت الآخرين بالحجارة وبيوتنا من قش بأننا نحن وليس بوش السبب في السماح لأمثاله وغيره بأن يجعلوا من شعوبنا أبقارا تحلب ومن جلودنا بعد ذبحنا أحذية تصدر إلينا بأثمان باهظة تحت مسميات ماركات عالمية لا يتردد ولا يستغني أثرياؤنا عن شراؤها للتباهي بها في عيدي الفطر والأضحى.

لو قام الزيدي قبل إطلاقه لصاروخه الحذائي غير المبرمج كما هي حال الصورايخ الأميركية المتطورة إلى أقصى حد والتي دكت العراق دكا (حيث أخذ البعض على منتظر بأنه لم يلتحق قبل عمليته التاريخية بدورة تصويب العدو) لو قام قبل ذلك بقراءة ما هو مكتوب في الداخل لوجد جملة: صنع في الصين أو إيطاليا أو فرنسا أو الولايات المتحدة الأميركية أو أسبانيا. ولكنه لن يجد اسم دولة عربية صانعة أو منتجة حتى لفردة حذاء.

إننا نلوم جورج بوش على تصرفاته في حق شعوبنا. ولكن (ما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). ألم يسأل السيد منتظر من الذي فتح ذراعيه للجنود اليانكي القادمين من بلد العم سام؟ ألم يقرأ العراقيون تاريخ الولايات المتحدة منذ قبل تأسيسها حتى اليوم وسيرة الحزب الجمهوري ودور اللوبي الصهيوني قبل أن يتقدموا بطلب التماس إليهم لإزالة نظام صدام؟

ألا يعلم من يهرج اليوم تشفيا مما تعرض له رئيس الولايات المتحدة الأميركية أننا نحن من نقتل أنفسنا بيدينا كل يوم في العراق دون أن نفرق بين طفل وامرأة ومذنب وبريء؟ كيف لم يستطع الشعب العراقي أن يحرر نفسه بنفسه؟ وكيف لم يستطع أن ينظم نفسه بنفسه بعد سقوط صدام؟ هل يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم؟

إن الرئيس بوش ومن سبقه ومن سيأتي من بعده لم يتسن لهم أن يفعلوا ما فعلوا بالعراقيين والفلسطينيين واللبنانيين والعرب قاطبة والمسلمين من بعدهم لو لم نكن (نحن) من سمح لهم بذلك وطلب منهم وتوسل إليهم ودفع لهم الغالي والثمين لضبط الأنظمة ودعم الأنظمة والحفاظ على الأنظمة والإبقاء على الأنظمة وتوريث الأنظمة؟ ألا نشكل نحن طرفا في المؤامرة على المواطن العربي؟

هل بوش هو من أجبر اللبنانيين على الاقتتال فيما بينهم؟ هل بوش هو من أمر الفلسطينيين على أن يتناحروا في الشوارع أو خلق منهم المتآمر والجاسوس والمرتشي والخائن والعميل لجهاز الموساد أم الدولار والرغبة في الانتقام من الأخ والصديق والمقاوم لاختلاف في الرأي؟ هل الشعب الأميركي هو من جر العراقيين إلى الاقتتال بين سنة وشيعة وأكراد؟

إننا شعوب مهووسة بالانتقام وبالإثارة لا أكثر. لقد حركنا حذاء منتظر الزيدي أكثر مما حركتنا انتفاضة الأقصى وقتلى فلسطين وحرب لبنان ونحن نتفرج ولا نشارك.. ونصرخ ولا نتحرك..

إن قضايا الأمة العربية أكبر من أن تحلها فردة حذاء. ويجب أن لا نضحك كثيرا ونسخر كثيرا من رئيس جمهورية فعلت المستحيل بهدف بسط سيطرتها بالقوة في كافة المجالات على العالم بمن فيه نحن، وإصرار شعب فاقنا بآلاف السنوات الضوئية ولولاه وحتى هذه اللحظة لم نعرف لا الانترنت ولا الاتصال الهاتفي عبر الأقمار الصناعية ولا التقدم في مجال الطب ولا وصلنا للقمر ومن ثم المريخ ولا في أساليب التعليم الحديثة ولا حتى في صناعة الأحذية.

لقد تبادل العرب صغارا وكبارا وبشتى الوسائل من الرسوم الكاريكاتورية حول حادثة الحذاء من المساحة والوقت ما كان يكفي لتأليف موسوعة علمية مفصلة ترقى بثقافة عشرين جيلا قادما من العرب والمسلمين..

ولكننا اكتفينا بالتهريج والتطبيل أمام ضربة حذاء أخطأت هدفها بينما نحن أمة يعرف العالم كله بأنها لا تقرأ ولا تصنع ولا تساهم في تطور العالم في أي من مجالات الحياة... ولا تهتم إلا بماركات السيارات والساعات والهواتف المتحركة.... أننا في الحقيقة نضحك على أنفسنا وليس على جورج بوش.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com