يوم الأحد الرابع عشر من هذا الشهر ديسمبر، فتح التاريخ صفحة كاملة وربما أكثر يقترب فيها اسم الرئيس الأميركي الأكثر تطرفاً جورج بوش الابن، باسم الشاب العراقي ابن الثمانية وعشرين ربيعاً، عبر حادثة لولا أن الولايات المتحدة شنت حربها على العراق وقامت باحتلاله، وتدمير نظامه السياسي، لكانت سبباً وجيهاً لشن حرب شاملة.
إن مثل هذا الفعل يعتبر إهانة واضحة وصريحة وبالنعال لرئيس دولة، فكيف لرئيس أقوى دولة على وجه الأرض أن يتعرض لمثل هذا الموقف الذي من شأنه أن يغذي حروباً لها أول وليس لها آخر. ولكن ماذا يفعل بوش؟ وماذا يمكن لربيبه رئيس الوزراء العراقي نور المالكي أن يفعلا أكثر مما تفعله أجهزتهما الأمنية التي حطمت عظام الشاب الزيدي قبل أن يجلس على كرسي التحقيق؟
كان غريباً وليس عادياً أن يبتلع بوش الاهانة، فيتابع مؤتمره الصحافي، والأغرب أن يذهب إلى أفغانستان البلد الثاني الذي دمرته القوات الأميركية المحتلة، فيذكر الصحافيين بأن لا يرموه بالنعال. جولة بوش في كل من العراق وأفغانستان الوداعية ربما تكون الأخيرة في عمر رئاسته التي استمرت ثماني سنوات، وقبل أن يغادر غير مأسوف عليه، البيت الأبيض تاركاً المقعد الرئاسي للديمقراطي براك أوباما.
غير أنه في أسوأ كوابيسه ما كان لينتظر وداعاً كالذي جرى له في بغداد. في الحقيقة، فإن المقامات الرئاسية يمكن أن تتخذ أقصى الإجراءات الأمنية، لحماية المسؤولين الكبار، في حال تنقلهم داخلياً، أو خارج البلاد، لكن أحداً لا يدخل في حساباته، أن مواطناً عادياً قد يبتدع من الوسائل التي لا تخطر ببال أحد، لتعريض أمن الرئيس أو كرامته للخطر أو الاهانة الشديدة..
في حالة الشاب منتظر الزيدي يمكن أن نتخيل نوع وحجم الإجراءات الأمنية التي اتخذتها قوات الأمن العراقي، وقوات الأمن الأميركي، فضلاً عن الجيش الأميركي الذي يحتل العراق، لحماية الرئيس خصوصاً في المنطقة الخضراء التي تضج أصلاً بالإجراءات الأمنية المشددة كل الوقت. استخدام الشاب الزيدي نعليه لمعاقبة الرئيس بوش.
ومضيفه المالكي، شكل من أشكال الإبداع الشعبي، فهو يعلم بأنه ينفذ عملية انتحارية ضد رئيس أقوى دولة تحتل بلاده، ولذلك فإن ما فعله يفوق من حيث معانيه وأبعاده وتأثيراته، عشرات العمليات العسكرية بما في ذلك الاستشهادية التي تقع منذ الاحتلال الأميركي للعراق.
العملية «الاستشهادية» الجريئة التي نفذها الزيدي، تشكل وساماً على صدور كل الصحافيين المناضلين من أجل الحرية ومن أجل البحث عن الحقيقة، فوق كونها وساماً يدخل صاحبه موسوعة غينيس الشهيرة بسبب الفارق بين الوسيلة المستخدمة في الفعل، والآثار الناجمة عنه.
الزيدي أفرغ كل الحقد الذي يعتمل في صدور العراقيين، ملايين العراقيين الذين احتلت الولايات المتحدة بلادهم، وشردت الملايين منهم وأفقرت ملايين أخرى، عدا عن الشهداء والقتلى والجرحى والمعاقين، والمعتقلين والتدمير الكبير الذي لحق ببلد يتميز بثرواته، فيحوله إلى بلد فقير، مهان، لا حول له ولا قوة، في مواجهة أبسط التحديات.
بل لقد أفرغ الزيدي حقداً يعتمل في صدور مئات الملايين من أبناء الأمة العربية والشعوب الإسلامية والفقيرة، التي أطاحت السياسة الأميركية بأبسط حقوقهم وأحلامهم، وحولتهم إلى باحثين عن فرص عمل، أو لقمة خبز، أو دواء أو فرصة للتعليم والعيش الكريم.
بوش لم يأت إلى العراق وأفغانستان فقط مودعاً بل محتفلاً بتوقيع اتفاقية أمنية، لم ينجح البرلمان العراقي ولا المعارضة في منع الموافقة عليها، فكان فعل الزيدي أقوى وأشد وقعاً من حيث كونه يعلن رفض ملايين المنتظرين من العراقيين مثال منتظر الزيدي، بما يؤكد أن الشعوب هي المنتصرة أخيراً.
تدل هذه الحقائق، على ردود الفعل الشعبية الواسعة التي تبدي تضامناً مع الزيدي وإعجاباً بما فعل، واستعداد المئات من المحامين العرب، وكبار الصحافيين والشخصيات الاجتماعية والاعتبارية، للدفاع عن الزيدي.
هنا يترتب علينا أن نسجل للفضائيات العربية، والصحافيين العرب، كل التقدير والاحترام، لكل ما قاموا ويقومون به، من تكرار لنشر الحدث، ومتابعته بما يؤكد أن الصحافة جديرة بمكانة السلطة الرابعة، وبأنها حينما تلتزم الحيادية والموضوعية في التعامل مع الحقائق تستطيع أن تفعل الكثير.
في هذا الإطار يحق لنا ككتاب صحافيين فلسطينيين أن نتساءل عن ضعف ردود الفعل الشعبية العربية إزاء الحصار والعدوان الذي تفرضه وتمارسه سلطات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة، حيث تقع كارثة إنسانية، وذلك بالمقارنة مع ردود الفعل القوية التي ظهرت ابتهاجاً بما حل بالرئيس بوش، ودفاعاً عن البطل القومي منتظر الزيدي، ودعماً له، وهو بالتأكيد يستحق ذلك.
سؤال جارح تعرف الكتاب والصحافيين الفلسطينيين على جوابه، ولذلك فإننا نعيد صياغته، ونوجهه لصناع السياسة الفلسطينية في موقع الفعل والقرار، فلقد استهلك الفعل الصراعي الانقسامي بين حركتي حماس وفتح، المشاعر النبيلة التي تتميز بها الشعوب العربية، تلك الشعوب التي لم تقصر أو تتوانى عن القيام بما تستطيع دفاعاً عن الشعب الفلسطيني وقضيته.
