لا يمكن لأي منا وهو يتابع احتفالات عودة ما يزيد على مائتي أسير فلسطيني إلى ديارهم وأهاليهم إلا أن يشاركهم هذه الفرحة «الناقصة»، ولسانه يلهج بالدعاء بأن تكتمل الفرحة، ولكن ليس كما عبّر عنها الرئيس الفلسطيني عندما قال إن الفرحة ستكتمل بخروج بقية الأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون في السجون «الإسرائيلية»، ويبلغ عددهم حوالي أحد عشر ألف أسير، بل ستكتمل فرحتنا جميعا ؟

في رأيي- بعودة الحق كاملا لأصحابه، فتعود الأراضي العربية لأصحابها الحقيقيين لا ينقص منها شبر واحد، ويعود أصحاب الأرض المغتربون والمشتتون في بلاد الله الواسعة للأرض التي لا تزال تحمل رائحتهم وعبق أجدادهم لأن جذورهم تضرب في تربتها بعمق لا يمكن لأي محاولات يائسة اجتثاثها.

إن انخفاض سقف المطالبات بدرجة بسيطة يعني انخفاض سقف المحصول أضعافا كثيرة، فكيف إذا انخفض سقف المطالبات كثيرا؟ من المؤكد أننا لن نحظى حينها بأكثر مما حظينا به الآن.. عودة عشرات، أو حتى بضع مئات من جملة أسرانا -الذين نأمل من الله العلي القدير أن يفكّ أسرهم جميعا - بدلا من عودة الحق المنتظر الذي سُفكت من أجله دماء أجيال متتالية منذ ستين عاما، ولم يئن وقت عودته لأصحابه بعد.

كما أننا يجب ألا ننسى أن عدد الأسرى في السجون «الإسرائيلية» ليس قليلا أبدا، بل يبلغ ؟ حسب الإحصائيات المعلن عنها- حوالي أحد عشر ألف أسير، وربما كان العدد الحقيقي المخفيّ أعظم، وحين يأتي الإفراج عن حوالي مائتي أسير فقط فإن هذا ليس كافيا بالنسبة لنا جميعا، لأن القوات (الإسرائيلية) حين تفرج عن هذا العدد من الأسرى تكون قد أسرت بدلا منهم عددا يماثل عددهم وقد يفوقه أيضا، وبالتالي يبقى أسرانا هناك أعدادا كبيرة لا مجال لإنكارها.

تزعم إسرائيل أنها بإفراجها عن هذا العدد من الأسرى تقدم بادرة حسن نية من جهتها، وهو زعم يؤكد بشكل واضح لا جدال حوله أن هذا الكيان الهجين لا يزال يتعامل مع العالم العربي والإسلامي بوصفه مجموعة «أغبياء»، لأنه يفرج عن أسرى لن يضروه شيئا، بل يشكلون عبئا ماديا على سجونه، خصوصا مع تضخم عدد الأسرى وما يتطلبه ذلك من نفقات.

وفي المقابل تستمر قوات هذا الكيان النكرة في حصارها غزة لتمنع عن سكانها أهم متطلبات الحياة الإنسانية، وتنهب أربعة آلاف دونم من جنوب الضفة الغربية من أجل بناء جدار الفصل العنصري، وتعتقل صيادين من غزة قرب الشاطئ لا حول لهم ولا قوة، وتقوم بقصف جوي في حي الشجاعية تستهدف به بعض أفراد المقاومة.

إنها تعطي مما لا تملكه النزر اليسير جدا بيد، وتأخذ بيدها الأخرى -من دون وجه حق- الكثير الكثير بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، لذلك فهي على استعداد لفعل أي شيء في مقابل أن تأخذ أي شيء أيضا.

خروج الأسرى الفلسطينيين من السجون (الإسرائيلية) مطلب غال، نتمنى أن يتحقق قبل أن تغيب شمس اليوم، لكنه ليس أقصى مطالبنا، لأننا نريد ما هو أكبر، وقد طوت صفحات الأيام والسنوات الماضية أسماء أعداد كبيرة من الشهداء والأسرى، رجالا ونساء، شيبا وشبابا وأطفالا ورضّعا حتى، ولا تزال القائمة متواصلة، حتى نصل للهدف، لأن عدم وصولنا له يعني أن دماء الشهداء، وعذابات الأسرى، ومعاناة الشعب الفلسطيني ستضيع هباء طالما أننا لم نصل إلى نتيجة، وهو ما لا يمكن أن يقبل به عاقل.

كيف يمكن أن تنتهي معاناة الشعب الفلسطيني؟ وكيف يمكن أن يعيشوا حياتهم كما يشاءون هم، لا كما يشاء لهم غيرهم؟ وكيف يمكن أن يعود الأسرى الفلسطينيون لأسرهم ويمارسوا حقهم الطبيعي في العيش تحت الضوء، وأن يتنفسوا هواء نقيا، ويأكلوا طعاما نظيفا بيتيا، وأن يشعروا بكرامتهم محفوظة لا يمسها فأر مستأسد، وقبل ذلك أن يتنفسوا هواء الحرية دون أن يكونوا في قيد يُحْكمه حول معاصمهم نذل أو جبان؟ لا شك أن عودة الأراضي المحتلة لأهلها وأصحابها هي الحل الجذري لكل ما يعانيه أبناء الشعب الفلسطيني الذين يثبتون يوما بعد يوم أنهم من طينة بشرية بالفعل لكنها مختلفة عن طينتنا..

قدرتهم على الصمود، وعلى تحمل أصعب الظروف المعيشية على جميع المستويات تثبت ذلك. قدرتهم أيضا على أن يصنعوا فرحتهم بأنفسهم، وأن يعيشوا لحظات السعادة القليلة التي تمرّ بهم بجميع تفاصيلها تجعلهم أيضا مختلفين عنا. المفرحات حولنا كثيرة، ومع ذلك لا نكاد نفرح فرحا حقيقيا، وفي أحيان كثيرة نشعر أننا لا نعرف كيف نعيش المناسبات المفرحة بطريقة تجعلنا نشعر بمتعة اللحظة.

أما هناك فعلى الرغم من قسوة الاحتلال، وصعوبة الحياة المعيشية، وكل ما نعرفه وما لا نعرفه عن حقيقة الأوضاع في ظل وجود محتلّ ليس له من الإنسانية إلا اسمها فقط، إلا أنهم يعرفون مذاق الفرح أكثر منا، وكأنهم يهيئون أنفسهم كل يوم لاكتمال الفرحة، ويعيشون كل يوم هذا الأمل، ولعله هو الذي يمدهم بالقوة التي تثير استغرابنا تماما كما تثير إعجابنا.

الذي أرجوه فقط هو أن تبقى هذه القضية حاضرة في قلوبنا، وألا يصبح مرور ستين سنة عليها سببا لنسيانها أو إهمالها، أو عدم الاهتمام بزرع حب فلسطين في قلب كل طفل عربي، لأننا نوشك أن ننسى هذه البقعة الطاهرة وننسى حقنا فيها، خصوصا مع توزع الحروب والمآسي والدمار على مناطق مختلفة من العالم العربي والإسلامي.

ولا أريد أن أكون متشائمة كثيرا، ولكني أخشى أن يحمل كتاب المستقبل القريب صفحات تُسجَّل فيها عدم معرفة بعض أبناء الجيل القادم بالمقصود بكلمة فلسطين إذا بقيت القضية مهمشة في حياتنا كما هي الآن، ولا نكاد نسمع عنها إلا من خلال بعض نشرات الأخبار التي أصبحت لها أولويات أخرى أيضا.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com