كان عصر الرئيس بوش ذهبيا بالنسبة للنخبة التركية خاصة الإسلامية منها، فمن جهة طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يعطي لتركيا دورا مركزيا.
فضلا عن انه ومنذ أحداث 11 سبتمبر والنخبة الأميركية تريد أن تكون تركيا التي يحكمها حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية نموذجا لباقي الدول الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط حول المزج بين الإسلام والحداثة وبين الاسلاموية والتعددية السياسية، وخلال السنوات القليلة الماضية توسع الدور الاقليمي التركي.
حيث قامت بوساطة بين سوريا وإسرائيل، وحاولت أن تقوم بنفس الدور بين إسرائيل والفلسطينيين، وهي من اجل الدور الاقليمي الجديد لها سعت إلى إيجاد حل مرض للعديد من المشكلات التقليدية بالنسبة لها مثل الخلافات مع اليونان ومع أرمينيا وبالطبع المسألة الكردية الداخلية وان كانت هذه الأخيرة بالذات لم تكلل بالنجاح.
والتغيير الذي حدث في الإدارة الأميركية لابد وان يفرض على تركيا خيارات جديدة بالنظر إلى أن السياسة الخارجية المتوقعة للإدارة الجديدة سوف يكون مختلفا عن السياسة الخارجية لسابقتها، وهو الأمر الذي تطلب من تركيا أن تطرح نفسها للعب دور في هذا العصر الجديد. وقد لفت أنظار المراقبين أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عرض مساعدة الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما فيما يتعلق بالتعامل مع إيران، والذي يتوقع رئيس الوزراء التركي والكثير من المحللين أنها ستكون أكبر تحد في السياسة الخارجية سيواجهه أوباما.
وقد صرح أردوغان في 11 نوفمبر لصحيفة نيويورك تايمز أن حكومته مستعدة للتوسط بين الإدارة الأميركية وطهران. وكرر لاحقا في واشنطن قوله: «نحن العاصمة الوحيدة التي يثق بها الطرفان. نحن المفاوض المثالي». وبالطبع فان أردوغان يدرك أن خيارات اوباما فيما يتعلق بإيران لم تتبلور حتى الآن وهو بالتالي يريد أن يضع أمامه خيارا رئيسا وهو التفاوض عبر تركيا بما يعطي لتركيا ميزة أساسية في مواجهة دول المنطقة من جهة، وفيما يتعلق بتحقيق حلمها الخاص بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وهي تقدم نفسها في هذا الخصوص باعتبارها يمكن أن تكون جسرا للتلاقي بين الشرق الإسلامي والغرب، وقيامها بدور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران يعنى قيامها بهذا الدور بصورة عملية وبالتالي لا يصبح دورها المنتظر مجرد طرح نظري فقط. وبالطبع فان تركيا تدرك أنها قدمت الكثير من اجل أن تحصل على الاعتراف الغربي بدورها الواسع الذي تسعى إليه في منطقة الشرق الأوسط .
فحسبما يرى مصطفى اكيول المحلل السياسي التركي فان هذا المسعى التركي يفسر نهج التقارب في السنوات والشهور الأخيرة مع كل من اليونان ولبنان والعراق وكردستان العراقية وفي الفترة الأخيرة أرمينيا، التي زارها الرئيس التركي عبد الله غول في شهر سبتمبر بهدف كسر الجليد بين الجانبين.
والوساطة التي يمكن أن تقوم بها تركيا بين الإدارة الأميركية الجديدة وإيران يمكن أن تزيل احد العوائق التي تحول دون قيامها بدور مركزي في نظام اقليمي شرق أوسطي وهو المنافسة مع إيران التي تسعى لان تقوم هي الأخرى بنفس الدور، وهو ما يعني أن حسبة إيران.
فيما يتعلق بهذه الوساطة سوف تكون حسبة معقدة ومركبة، لأنها لن تعطي جائزة لتركيا على حساب دورها الاقليمي المستهدف إلا في حال كانت الجائزة التي سوف تحصل عليها هي من هذه الوساطة تتساوى مع ما ستحصل عليه تركيا على الأقل. وهذه الجائزة قد تتعلق بقضايا شرق أوسطية، وقد تتعلق أيضا بما سوف يتحقق لها من الحوار المنتظر مع الولايات المتحدة الذي ستقوم تركيا بالوساطة من اجل تحقيقه.
وبالطبع فان خيارات تركيا من اجل أن يكون لها دور مركزي في المنطقة في عصر الرئيس الأميركي المنتخب باراك اوباما لا تقتصر فقط على وساطتها بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما هناك خيارات أخرى متاحة لها على رأسها مساعدة الولايات المتحدة في الخروج المشرف من العراق باعتبار أن اوباما أكد أكثر من مرة انه سيسحب القوات الأميركية من العراق.
وإذا كان الحوار مع إيران يمكن أن يساعد في هذا الصدد، فان تركيا لها صلات بقوى عراقية يمكنها أن تساعد أيضا فيما يتعلق بالعراق، وذلك فضلا بالطبع عما تقوم به من دور في المسار السوري الإسرائيلي وهو دور حظي بدعم الإدارة الأميركية الراحلة لكنه لن يلقى معارضة من الإدارة الجديدة التي وان كانت سيكون لها استراتيجية جديدة فيما يتعلق بالشرق الأوسط لكنها لن توقف هذا الحوار بل يمكن أن تبني عليه.
والحاصل أن خيارات تركيا الجديدة كلها تتماشى مع السياسة التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية التي يطلق عليها المراقبون السياسة العثمانية الجديدة وهى تختلف جذريا عن السياسة التي سارت عليها تركيا منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية ومجيء الكماليين إلى سدة الحكم وحتى وصول الحزب إلى الحكم في عام 2002.
وفى هذا الصدد نشير إلى ما ينقله اكيول عن أحمد دافوتوغلو الذي أصبح كبير مستشاري أردوغان في السياسة الخارجية، والذي يقول إن تركيا لم تتصرف بحكمة عندما أنكرت علاقاتها الثقافية بالشرق الأوسط على مدى عقود، لكن الوقت قد حان لتتحول إلى «قوة ناعمة» تصدر السلام والاستقرار والنمو لمنطقتها. وهذا القول بالذات يمكن أن يفسر الدور الذي تسعى تركيا إلى القيام به في عهد الرئيس الأميركي المنتخب باراك اوباما.
كاتب مصري
