بعد جمود الدور الأميركي في الشرق الأوسط (وربما فشله) وخاصة بعد سقوط النظام شرق الأوسطي الجديد الذي نادت به الإدارة الأميركية قبيل احتلال العراق وبعده، بدأ نشوء أدوار إقليمية ما لبثت أن نمت وكبرت.
وأصبحت قوة واقعية لها شأنها ولا يمكن للولايات المتحدة ولا لأوروبا ولا لغيرهما تجاهلها، وأصبحت المنطقة الآن مجال تنافس بين هذه القوى التي تحاول كل منها أن يكون لها اليد الطولى في التأثير على حاضرها ورسم ملامح مستقبلها، والمفارقة الملفتة في هذا المجال هي أن الدور الإقليمي العربي يقع في ذيل القائمة ولعله غدا أضعف هذه الأدوار مع أن الصراع كله يدور حول محاولة القوى الإقليمية الأخرى الهيمنة جزئياً أو كلياً على المنطقة العربية والاستفادة من ميزاتها الجغرافية وثرواتها وإمكانياتها متعددة الجوانب.
من الواضح الآن تنافس ثلاث قوى إقليمية في الشرق الأوسط، الأولى قديمة ومتواجدة منذ أكثر من نصف قرن ومدعومة بالسياسة الأميركية والأوروبية وهي القوة الإقليمية الإسرائيلية، التي يمدها الغرب منذ قيام الدولة الصهيونية بالدعم المالي والعسكري والسياسي.
وقد عهد إليها بأن تكون وكيلة عنه رافعة سيفها لمعاقبة أي بلد عربي يتمرد على الغرب أو عليها، حامية لمصالح الغرب في المنطقة، تتدخل مباشرة أو مداورة في الشؤون العربية، وتفرض هيمنتها على المنطقة بمختلف الوسائل والسبل.
وما زالت هذه القوة الإقليمية متربصة بالمنطقة العربية، تهدد من تريد وتعتدي على من تريد، وترفض الانسحاب من الأرض العربية التي احتلتها عام 1967 في فلسطين وسورية ولبنان بعد أن احتلت ثلاثة أرباع فلسطين عام 1948، وتصر على أن تكون مفاتيح المنطقة بيديها، وقد تحقق لها ذلك بسبب ظروف مختلفة وتوفر شروط متعددة، ورغم تراخي قبضتها في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة، إلا أنها ما زالت قوة مؤثرة ومهيمنة وذات مطامع كبيرة.
إن القوة الإقليمية الثانية هي إيران، التي استعادت قوتها بعد غزو العراق للكويت، ثم بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق، وسلحت جيوشها وحرسها الثوري بأكثر مما يتطلبه أمنها الداخلي أو تتطلبه حماية ترابها الوطني، ثم بدأت بذل الجهود لامتلاك الطاقة النووية، ونصبت من نفسها مرجعية إيديولوجية لشرائح هامة من المسلمين العرب وغير العرب.
وأخذت تقدم المساعدات المالية والعسكرية والاجتماعية وغيرها إلى تجمعات وتنظيمات ومنظمات عربية في مختلف البلدان العربية ، إلى أن وصلت إلى مرحلة لا يستطيع أحد إنكار قوتها فيها، وتأثيرها في حاضر المنطقة (والبلدان العربية) ومستقبلها، ودخلت شريكاً كامل الشراكة في هذا الحاضر وذاك المستقبل، وتبنت من أجل ذلك شعارات تروق للجماهير العربية، بل تبنت الأهداف الرئيسية للعرب وخاصة القضية الفلسطينية ومقاومة العدوان الصهيوني والهيمنة الأميركية.
أما القوة الإقليمية الثالثة فهي القوة التركية، التي انتبهت بعد تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا إلى أن المجال الحيوي لها واستطراداً الدور الإقليمي التركي واسع ومؤثر ويشكل قوة لها إذا ما استغلته، ليس فقط في العالم التركي في آسيا الوسطى وفي منطقة القوقاز بل في العالم العربي أيضاً، وتيقنت من إمكانية أن تنصب من نفسها صلة وصل بين أوروبا التي تطمح للانتساب إليها وبين البلدان العربية، فتصالحت مع سورية وأضعفت علاقاتها مع إسرائيل بحذر شديد، ورعت المحادثات غير المباشرة السورية ـ الإسرائيلية، وفتحت عينيها على الإقليم العربي، فأخذت تتقرب منه.
وعقدت اتفاقاً مع مجلس التعاون الخليجي، وربما تعتقد أنها قادرة على أن تكون منافساً جدياً لإيران، والاستفادة مثلها من مناخ مذهبي واسع إضافة لانتمائها الأطلسي، فضلاً عن امتلاكها إمكانيات اقتصادية وموقع استراتيجي وعلاقات دولية تؤهلها للعب أهم الأدوار في المنطقة، وعلى أية حال ما زالت مقدرة هذه القوة الإقليمية الجديدة تتصاعد وربما ستصل إلى لعب دور إقليمي هام للغاية.
تتسابق هذه القوى الإقليمية ويعمل كل منها لكي تكون أكثر تأثيراً في شؤون المنطقة وتحاول من خلال نمو قوتها أن تحقق مصالحها سواء بتنمية قوتها الذاتية أم بالاستقواء بدورها الإقليمي لمواجهة الآخر وجني الأرباح متعددة الجوانب، ولسوء الحظ فإن التنافس يدور حول التركة العربية بعد أن ضعف النظام الإقليمي العربي وتلاشى معه الدور الإقليمي الفعال القادر على حماية المصالح العربية بدءا من الأمن العربي وانتهاء بمستقبل البلدان العربية مروراً بحماية الثروة العربية والمصالح العربية.
لقد ضعف النظام العربي الذي تأسس عام 1945 مع تأسيس جامعة الدول العربية، وما لبث أمام التناقضات العربية أن تلاشى أو كاد، دون أن يستطيع العرب الاتفاق على نظام جديد قادر على حماية أمنهم ومصالحهم ومواجهة أعدائهم، وزادت التناقضات بين البلدان العربية حتى عجز العرب عن الاتفاق على أصغر الأمور المتعلقة بأمنهم ومصالحهم، فتراجع شعار الوحدة العربية إلى شعار التضامن العربي ثم انحدر إلى ممارسة سياسة المحاور العربية والاعتداد بها ثم أصبح كل بلد يغني على ليلاه.
وتراجعت الأهداف الرئيسية، ولم تعد القضية الفلسطينية هي القضية الأولى للعرب، وأخذ كل بلد عربي يبحث عن خلاصه، وصار كثيرون منا ومن حكامنا يفتخرون بأن بلدهم (أولاً) متجاهلين المتطلبات الإقليمية الحتمية في عصرنا واستحالة تحقيق هذه الأولوية بدون نظام عربي موحد متين متفق عليه، وهكذا غدت حالنا كحال الدولة العثمانية في آخر أيامها في الوقت الذي يشكل كل من حولنا قوته الإقليمية ويتجاسر علينا محاولاً أن يختط حاضرنا ومستقبلنا بما يناسب مصالحه لا مصالحنا وأمنه لا أمننا.
كاتب سوري
