مازالت روسيا والولايات المتحدة هما القوتان النوويتان الأكبر والقادرتان على حفظ التوازن النووي في العالم، وإذا تخلت أي منهما عن هذه المهمة فسوف يكون هذا مؤشرا و ضوءا أخضر للقوى النووية الأخرى الموجودة على الساحة والصاعدة لكي تستمر في تنمية قوتها بلا قيود أو حدود، الأمر الذي يعني أن التهديد النووي سيكون حتمي في المستقبل القريب.
وللأسف الشديد فإن كلا من موسكو وواشنطن لا يقدمان النموذج الأمثل للالتزام في حفظ التوازن النووي والالتزام بالضوابط والمعاهدات الدولية.
ما تبقى من الوقت حتى انتهاء سريان معاهدة تقليص الأسلحة الهجومية الإستراتيجية (ستارت ـ 1)، التي وقعها الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في عام 1991 في تناقص، إذ ستنتهي فترة ال15 سنة منذ سريانها في 5 ديسمبر عام 2009. وبهذا الصدد تبرز إلى المقدمة من جديد قضية تقليص الترسانات النووية والرقابة على هذه العملية، لأن اتفاقية تقليص القدرات الهجومية الإستراتيجية التي وقعت في عام 2002، وتسري حتى عام 2012، لا تنص على عملية قاطعة لا رجعة فيها، ولا تحدد آلية ثابتة للتفتيش المتبادل.
وتنص المعاهدة التي وقعت في عام 1991، وسرت في نهاية عام 1994، على تحديد القدرات الهجومية الإستراتيجية لكل طرف من الطرفين بـ 1600 وسيلة إيصال أسلحة و6000 عبوة عليها.
يذكر أن معاهدة «ستارت ـ 2» التي وقعت بعد «ستارت ـ1» في يناير 1993 وكانت تحظر بالتحديد استخدام وسائل الإيصال (الصواريخ تحديدا) مع رؤوس انشطارية ذاتية التوجيه، لم يسر مفعولها، لأن روسيا انسحبت من «ستارت ـ 2» في عام 2004، ردا على انسحاب الولايات المتحدة في عام 2002 من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ لعام 1972.
وتثبت اتفاقية القدرات الهجومية الإستراتيجية لعام 2002 ـ وهي الأخيرة في الوقت الحاضر من بين الاتفاقيات الموقعة حول نزع السلاح النووي - تثبت حدود عدد العبوات لدى كل طرف من الطرفين بما يتراوح بين 1700 و2200 عبوة.
ولا يشار في الوثيقة إلى عدد الوسائل المذكورة وعدد الرؤوس على كل وسيلة من وسائل إيصال السلاح النووي، ليترك لكل طرف تحديد تشكيلة وتركيبة قواه النووية ذاتيا على هواه. كما لا تحدد المعاهدة آلية الرقابة، إذ اقتصر الطرفان بدل ذلك على الاستناد إلى معاهدة «ستارت ؟ 1» الأنفة الذكر والسارية المفعول حتى الآن، وعقد اللجنة الخاصة المكلفة بمتابعة تنفيذ الاتفاقية اجتماعاتها مرتين في السنة.
ومع ذلك، سينتهي سريان مفعول معاهدة «ستارت -1» كما أشير آنفا في نهاية عام 2009، وبعد ذلك ستفقد قوتها قواعد الرقابة والتفتيش، التي نصت عليها بشأن تنفيذ الالتزامات. ولا تفرض اتفاقية القدرات الهجومية الإستراتيجية أي قيود على وسائل إيصال السلاح النووي والعبوات التي تسحب من المخازن. ومن الممكن بهذه الصورة خزنها بحرية في المستودعات، وإعادتها إلى حالة التأهب القتالي بسرعة عند الضرورة.
وهذا الوضع لا يروق لروسيا، إذ أن حالتها الاقتصادية لا تسمح لها بضمان تصعيد القدرات الصاروخية الإستراتيجية بسرعة، نظرا لضرورة استبدال ما يقارب 300 صاروخ بري المرابطة وحوالي 100 صاروخ بحري المرابطة خلال العقد القادم. ولذلك يشكل توقيع اتفاقية شاملة جديدة حول الحد من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية خطوة ملحة من شأنها أن تثبت ليس الحدود الكمية فحسب بل وآلية الرقابة على تنفيذ بنودها.
وبوسع عدم توفر مثل هذه الاتفاقية تقويض التوازن الإستراتيجي الحالي بين روسيا والولايات المتحدة، خصوصا على خلفية تنفيذ مخططات نشر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا الشرقية (وغيرها من المناطق). وبهذه الصورة يجب أن تنص المعاهدة الجديدة في الحالة المثلى، لا على الحد من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية فحسب، بل وعلى تنظيم العلاقات بين الطرفين في قضية الدفاع المضاد للصواريخ.
صحيح أن إدارة البيت الأبيض المنتهية فترتها، لم تبد رغبة في الاتفاق بشأن هذه القضايا. إلا أنه بوسع تبدل الإدارة أن يتمخض عن تغيرات في السياسة، تتيح لروسيا والولايات المتحدة الحفاظ على التوازن، ومواصلة سياسة خفض مستوى الخطر النووي باطراد، التي بدأت في ثمانينات القرن الماضي.
كاتب ومحلل سياسي روسي