لو أحصينا عدد الشعراء والقصاصين والروائيين والنقاد والتشكيليين والمسرحيين والموسيقيين الجادين في البلد لوجدنا أنهم يشكلون قطاعا لا يستهان به، قطاعاً له تفاعلاته وحياته وانشغالاته وتأثيراته ونتاجه، قطاعاً كبيراً يستحق ان تكون له محطة فضائية كاملة، حالهم حال قطاع الرياضة الذي تتنافس في مجاله القنوات الفضائية منافسة شرسة تصل إلى إيقاع الحروب المباشرة وغير المباشرة، تخلف أجواء من التفاعل والحياة، هي في المحصلة ناتج فعل مجتمع وحياته.
المثقفون والفنانون والأدباء قطاع بالفعل لكنه مغيب ومهمش حتى وان أبقينا على القول إننا نحرث في الثقافي ورعاية الإبداع بصنوفه بقوة وبمشاريع عملاقة. فما نعنيه أن يستحق هذا القطاع قناة فضائية، هو ان ترتفع نسبة التغطية لتفاعلات هذا القطاع وأناسه، حيث ما زلنا نتعامل معه بنظام القطرة أو الجرعة الصغيرة.
اليوم لا تخصص قنواتنا الفضائية بمختلفها أكثر من برنامج أو برنامجين لنقل صورة الحياة في أوساط الأدباء والفنانين، فهم لهم مواسمهم التي تفتح فيها أبواب الإعلام لهم ثم تغلق وتبقى بنظام القطارة كما قلنا.
جيلان يحضران اليوم في حياة وواقع مجتمعنا من نوعية هؤلاء المثقفين والأدباء والفنانين النوعيين، لا تسمع صوتا مستمرا لهم، لا تجد نافذة منفتحة عليهم ومشرعة إلى أقصاها، لا تجد حياة أصلاً، وبالتالي لا تأثير في ظل طوفان من التأثيرات المستجلبة من كل الأنحاء!!
صوت أدبائنا وفنانينا هو الصوت الذي ننتجه في هذا العطاء الإنساني، ولأننا نقاوم اليوم رياحاً وسحباً وعواصف تعصف بتفاصيلنا، فمن الواجب ان نتمسك بأطراف بعضنا البعض.
برامج يتيمة وهامشية وفي آخر ساعات البث، أو في الساعات القاتلة والميتة منه، أو مناسبة وصدفة قد يطل عليك فيها أديب معتق بالمحلية يتحدث بخجل وارتباك عن مشروعه الأدبي الجديد.
بصراحة الأديب المحلي، المواطن مغيب عن الضوء الإعلامي، مسموع ومرئي ومكتوب، وان طل ففي الظل، أو في حكم الصدف. كيف لنا ان نجيش الجهود لخدمة الهوية، وإبراز حضارة المجتمع وأصالته إذا ما غاب طرف مهم مثله؟ وكيف لنا ان نصنع أدبا يعبر عنا ونتقاسمه إذا لم تكن بيننا قنوات اتصال ظاهرة وواضحة؟
جيلان من العقول الخلاقة، جيل مخضرم انزوى وراء الكواليس تاركا في مكتباتنا عناوين وصوراً وذكريات، وجيل معاصر تاه وسط الرياح والتهميش..
لماذا هذا التغييب لهذه الأصوات؟ لماذا لا نستطيع فرز ما ننجزه في الثقافة وجعله قوتا يوميا ولو عبر إذاعة يتيمة لا قناة فضائية بالألوان!! الا تصلح مثل هذه الأصوات لخلق ضجيج لكنه محلي مئة بالمئة؟ قطاع الأدباء والفنانين والنقاد ومن هم في دائرة الانشغال الثقافي في الساحة المحلية يكفي لتعبئة الأربع والعشرين ساعة بث.. فلماذا لا نطلق هذا الصوت ونكسب المزيد باتجاه المحلية؟
