هناك دول لا يحكمها رؤساؤها ولا مجالس وزرائها ولا عساكرها. بل نستطيع أن نعمم فنقول إن كل دول العالم على الإطلاق يمكن أن تسقط في لحظة واحدة تحت فوضى الشارع العام. وهذا ما يحدث هذه الأيام في العاصمة اليونانية أثينا. ويذكرنا ما يحدث في هذه العاصمة ونحن في العام 2008 ما قد حدث في باريس قبل أربعين سنة بالتمام وما أطلق عليه وقتها بـ (ثورة مايو 68) رغم اختلاف الأسباب.

في مايو 1968 قام طلاب الجامعات والمدارس في باريس باحتجاجات ومظاهرات لا أول لها ولا اخر كادت أن تودي بحكومة شارل ديغول الذي طالب بحل البرلمان ومن ثم احتمى هو بنفسه في إحدى القواعد الجوية العسكرية الألمانية.

وقد صب العمال بمساندتهم الطلاب في مظاهراتهم الزيت على النار المشتعلة فزادوها اشتعالا. وهذا تماما ما يحصل اليوم في ضواحي أثينا، حيث ثار الطلاب احتجاجا على مقتل أحد زملائهم برصاص عناصر من الشرطة وانضم إليهم العمال عندما رأوا أن المسألة قد خرجت عن السيطرة وأنه قد حانت الفرصة لتحقيق مطالبهم.

بداية المظاهرات الفرنسية كانت احتجاجا على العنصرية الطبقية في المجتمع الفرنسي، وقد غيرت هذه المظاهرات وجه المجتمع الفرنسي بعد ذلك. والسبب اليوم يختلف تماما عن ثورة 68، ولكن المسألة تظل واحدة: غضب الطلاب والعمال.

فالشارع العام في كل دول العالم من الصين إلى الولايات المتحدة يتحكم فيه الطلاب والعمال. والسبب هو العدد. فأيا كان عدد عناصر الشرطة بأنواعها التي قد تنتشر في كل مكان إلا أن عدد الطلاب سيكون بالطبع أكبر بكثير خاصة إذا ما انضم إليهم العمال.

فقد وصل عدد المحتجين في شوارع فرنسا في 68 إلى 000. 500 محتج، وحيث ان معظم الاحتجاجات الطلابية ضد الحكومة تكون إما ضد نظام تعليمي معين قائم أو قانون صادر أو ممارسات يرفضها الطلاب جملة وتفصيلا، فكثير ما تتلاقى مع توجهات النقابات العمالية في الضغط على الحكومات للحصول على امتيازات إضافية كزيادة الأجور أو تخفيض ساعات العمل أو تحسين أوضاعهم الاجتماعية والصحية...إلخ.

لقد اعتبرت ثورة 68 في فرنسا بمثابة نقلة جديدة في طريقة تحدي النظام السياسي القائم وخاصة في الدول الديمقراطية. فطلاب هذه الدول ينتمون إلى عدة تنظيمات قانونية كاتحادات الطلاب والمؤسسات الثقافية والأحزاب المختلفة والنقابات العمالية.

وثورة 68 في فرنسا لم تكن ثورة عشوائية، فقد قادها مفكرون وأدباء وفلاسفة وشاركوا في مسيراتهم وتحدثوا باسمهم ودافعوا عن مطالبهم، ونذكر على سبيل المثال المفكر والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. وكادت تتكرر نفس الثورة قبل أعوام في ضواحي فرنسا نفسها ولكن هذه المرة على يد شبان مغتربين كانوا يطالبون بالتعامل معهم بإنسانية، ولكن الله ستر.

لكل من لم يستطع أن يعايش ثورة 68 في فرنسا، عليه أن يتابع ما يحدث اليوم في أثينا. فالصدامات بين المتظاهرين وعناصر الأمن هي نفسها. والاحتجاجات هي نفسها والمطالبات هي نفسها والأطراف هي نفسها: الطلاب والعمال من جهة والحكومة من جهة أخرى.

وعندما (تعلق) بين هذه الأطراف فإن العلاج يكون إما صعبا وإما طويلا. فالطلبة يعتبرون أنفسهم محسوبين على الطبقة المثقفة التي بدونها تتيه بوصلة المجتمع. والعمال يرون أنفسهم ممثلين لأكثر من ثلثي المجتمع، وأن حقوقهم مهضومة دائما من قبل أرباب العمل (الذين ينتمون إلى الطبقة الرأسمالية)، وأن بدون سواعدهم سوف تتوقف الحياة عن العمل.

أما الحكومة فهي ترى نفسها في موقع القيادة التي يتوجب عليها حفظ النظام العام وعدم الرضوخ لاحتجاجات طلابية وعمالية تدعي أنها مسيرة من قبل أحزاب المعارضة. وقد حدث في إيران عام 1999 أمر مشابه عندما اندلعت الفتنة في الحرم الجامعي بين أنصار الإصلاحيين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية محمد خاتمي والمحافظين ويرأسهم مرشد الجمهورية محمد خامنئي.

وكانت شرارة الاضطرابات صدور قانون يمس حرية النشر والمطبوعات ثارت ثائرة بعض الطلبة إثر إصداره وفسروه على أنه تكميم لأفواه الطلبة والنساء والمثقفين، فقتل أحدهم في الحرم الجامعي الذي داهمه رجال الأمن، فإذا بساحات الجامعات وشوارع طهران تتحول إلى ترسانة من جيوش الطلبة التي قدرت بحوالي 000. 20 طالب في مواجهة مجموعة من عناصر من الشرطة.

لذا أصبحت كثير من الدول حتى غير الديمقراطية منها تنظر بعين الترقب من اندلاع مثل هذه المواجهات بين طرفين غير متكافئين. وقبل ذلك هي تحاول التعامل مع محركيها بشيء من الحذر، لأنها تعرف نهايتها المأساوية وأن الرأي العام سيقف مع الطلبة ضدها حتى دون الاستفسار عن شرعية مطالبهم.

فمن الصعب إقناع الرأي العام بصحة موقف الحكومة حين يكون التعاطف على أشده مع مجموعة غير مسلحة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة والثانية والعشرين والذين من بينهم أبنائي وأبناء عشيرتي وأهلي.

إن ما يحدث منذ أيام في شوارع العاصمة اليونانية أثينا يدعونا للتعامل مع قوة الطلبة الكامنة بحذر شديد. وأنه يجب عدم الاستهانة بهم وبقدراتهم الخفية على قلب نظام الأمور وتحويله إلى فوضى.

فئتان في المجتمع، يجب التعامل معهما بكل حيطة وحذر: الطلاب والطبقة العاملة. فهاتان الفئتان تشبهان برميلا من الوقود يكفيه عود ثقاب تافه لكي ينفجر في وجه الأنظمة التي لا تحافظ عليه كما يجب....

فتمسك بيدها زمام الأمور بعد ذلك بل وقد تشكل خطرا على تلك الأنظمة وعلى بقائها كما حصل مع زعيم فرنسا الراحل شارل ديغول... وكما يحدث اليوم مع رئيس الحكومة اليونانية اليميني كونستاندينوس كرامنليس؟ فهل سيسقط الطلبة نظام الحكم في اليونان ليحققوا مطالب حزب اليسار المعارض برئاسة جورج بابانداريو؟

dralaboodi@gmail.com