«تركة السنوات السابقة لم تكن سعيدة...لقد أريقت الدماء، وفقدنا أرواحا غالية..ينبغي أن لا نسمح للماضي بأن يحكم المستقبل» بهذه العبارات الإيجابية ألقى الرئيس مشرف خطابه في بداية الأمسية الأولى من قمة أغرا التي عقدت في الهند في عام 2001 ليؤسس بهذه الكلمات بداية مشوار السلام مع الجارة الهند وليعيد إحياء الحوار الذي تجمد بعد نزاع كارغيل في صيف 1999.

لكن تلك القمة تعثرت بسبب إصرار الهند على إدخال قضية الإرهاب العابر للحدود في البيان الختامي وإصرار الرئيس برويز مشرف على اعتبار قضية كشمير القضية الرئيسية فيما لم يتطرق كثيراً لقضية الإرهاب العابر للحدود وذلك لاعتبارات وعلاقات تربط المؤسسة العسكرية الباكستانية بجماعات الجهاد في كشمير والتي تستخدمها باكستان في شن حربها بالوكالة في كشمير.

أحداث بومباي الأخيرة وتداعياتها تذكرنا تماماً بما حدث في عام 2001 عندما هاجمت مجموعة عسكر طيبة البرلمان الهندي في سريناغار في الجزء الهندي من كشمير، ومن ثم الهجوم الآخر الذي تبعه على البرلمان الهندي رمز القوة الهندية في 13 ديسمبر من العام نفسه والتي سارعت الهند في تلك الفترة بتوجيه أصابع الاتهام إلى جماعة عسكر طيبة.

وهي نفس الجماعة التي تتهمها الهند اليوم بتنفيذ عملية بومباي، كما تتشابه أحداث هاتين العمليتين بأن كلاهما استهدفتا مناطق تعتبر رموزا حيوية بالنسبة للهند، فالمكان هو نفسه والمتهم هو نفسه حتى ردود الفعل الدولية هي نفسها حيث طالب المجتمع الدولي باكستان في تلك الفترة بحظر هذه الجماعات الإسلامية واعتبارها جماعات إرهابية حيث مورست ضغوط دولية وخاصة من الجانب الأمريكي والأوروبي على باكستان لحظر هذه الجماعات.

وهي نفسها الضغوط التي نراها اليوم والتي كللت بإصدار قرار من الأمم المتحدة يوم الخميس الفائت باعتبار جماعة عسكر طيبة جماعة إرهابية؛ وعلى الرغم من تجاوب باكستان في عهد برويز مشرف مع تلك الضغوط وخاصة الأمريكية حيث حظر مشرف عسكر طيبة وجيش محمد ووعد بأن لا يتم استخدام الأراضي الباكستانية كقاعدة للإرهاب العابر للحدود .

وتم اعتقال نحو ألفي ناشط من تلك الجماعتين إلا أن تلك الإجراءات لم تكن كافية لإيقاف نشاطات الجماعات الجهادية ، فمشرف لم يكن راغباً في قطع علاقة إسلام آباد كلياً مع المسلحين الكشميريين؛ ولقد ترجم المسلحون خرقهم لذلك الحظر المرفوض إلى واقع عملي عندما شنوا هجوماً آخر على أحياء سكنية تابعة لثكنة الجيش الهندي في كشمير عام 2002 .

مما نجم عنه مقتل 35 شخصاً معظمهم من النساء والأطفال، وقد تعرضت باكستان نتيجة هذا العمل لضغوط فعلية من أمريكا، وعلى الرغم من الوعود التي قدمها الرئيس مشرف والخطوات الفعلية التي اتخذها ضد حظر هذه الجماعات إلا إنه لم ينجح في لجم نشاط هذه الجماعات، رغم محادثات السلام التي تمت بينه وبين الهند والتي بدأت بشكل فعلي منذ عام 2004.

مع أحداث بومباي الأخيرة وإصدار الأمم المتحدة قراراً باعتبار جماعة عسكر طيبة جماعة إرهابية وقرار الحكومة الباكستانية الذي جاء كما يبدو منسجماً في الداخل بين القيادات الباكستانية (الرئيس والحكومة ورئاسة أركان الجيش)، بحظر هذه الجماعة وإغلاق تسعة من المكاتب التابعة لها في جميع مدن باكستان مما يعني بأن هناك اعترافا ضمنيا من قبل باكستان وإن جاء بطريقة غير مباشرة بضلوع هذه الجماعة في عملية بومباي الأخيرة.

فالسؤال الذي يطرح نفسه في ظل تطور هذه الأوضاع هو: هل سيلجم هذا الحظر نشاط الجماعات الجهادية في كشمير؟ والتسلل إلى الأراضي الهندية عبر تنفيذ مثل تلك العمليات، وما هي طبيعة الحظر الذي ستفرضه السلطات الباكستانية على هذه الجماعات؟ هل سيمتد الحظر إلى قواعد هذه الجماعات في كشمير أم انه سيقتصر على مدن باكستان فقط؟

حيث أن الحظر الذي فرضته السلطات الباكستانية في عام 2002 إثر الهجوم على البرلمان الهندي على الجماعات المسلحة لم يشمل الجزء الذي تسيطر عليه باكستان من كشمير أو مناطق القبائل التي تتمتع بحكم ذاتي محدود وتحد أفغانستان، الأمر الذي مكن تلك المنظمات المسلحة من نقل بناها التحتية وكوادرها إلى تلك المناطق واستئناف نشاطها المسلح ضد الهند.

وكيف ستتعامل السلطات الباكستانية خاصة في ظل القيادة الجديدة مع قضية كشمير المصيرية التي أوضح ذات مرة الرئيس مشرف بأن الإجراءات ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة مهما كانت لن تغير موقفه تجاه كشمير فأعلن أن «كشمير تجري في عروقنا» ولن يستطيع أي باكستاني قطع العلاقات مع كشمير وسنستمر في تقديم كل أشكال الدعم الدبلوماسي والسياسي والأخلاقي للكشميريين؟ وما هي التنازلات التي ستحصل عليها باكستان من قبل الطرف الهندي في حالة حظر هذه الجماعات، غير خيار تجنب إمكانية قيام حرب بين الطرفين؟

اعتقد أن باكستان محصورة بين المطرقة والسندان، فهي في الوقت الذي تريد فيه منع نشوب أي حرب مع جارتها الهند وتريد إرضاء المجتمع الدولي والاستمرار في تحالفها مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب ضماناً لاستمرار تدفق المساعدات التي هي في أشد الحاجة إليها، فهي في ذات الوقت لا تريد أن تتخلى عن قضية بلادها المقدسة (كشمير).

والتي تستخدم الجماعات الجهادية منذ ما يقارب العقد من الزمان في شن حربها بالوكالة في هذا الإقليم، لذلك يعتبر قرار الحظر بمثابة البنادول المسكن الذي سيعمل على تهدئة الألم ولكن لن يمنع حدوثه مرة أخرى، فسياسة خطوة للأمام..

خطوة للخلف التي انتهجتها باكستان في عهد مشرف في الموازنة بين الضغوط الدولية في حظر هذه الجماعات والتساهل في تخفيف الحظر على الجماعات الإسلامية في ممارسة نشاطها المسلح ضد الهند أتوقع أن هذه السياسة ستستمر في الفترة الراهنة، فالحظر الذي أعلنت عنه باكستان مؤخراً جاء حتى تهدأ زوبعة آثار تفجيرات بومباي.

حيث أن هذا الحظر لن يمنع الجماعات من استئناف جهادها، كما أن محادثات السلام التي أعطاها مشرف دفعة قوية في عهد رئاسته ستستمر وإن كانت بدرجات بسيطة مع الهند، فقطار الصداقة وخط الحافلات بين سريناغر ومظفر آباد لن يتوقف.

وإن لم يعجب الجهاديين في كشمير خط سير تلك المواصلات حيث اعتبروه في تلك الفترة من عام 2005 والتي استؤنفت فيها رحلات الحافلات خضوعا وخنوعا للهند وخيانة للقضية المصيرية تماماً كما يدور الحديث اليوم من استسلام باكستان للهند وللضغوط الدولية وبالتحديد الأمريكية.

يبقى الإرث الكشميري بين البلدين عاملاً مهماً في تحديد ملامح العلاقة بينهما، ولن تفرط باكستان بورقة الجماعات الجهادية في كشمير التي تعتبر قضية مصيرية بالنسبة لهم مهما فرضت من الحظر الذي يعتبر مؤقتا، أما بالنسبة لرياح الضغوط الدولية فهي مهما بذلت من جهد مضن فلن تستطيع تغيير ملامح العلاقة بين البلدين، فالجغرافيا السياسية قد قالت كلمتها الأولى والأخيرة.

f_mansouri78@hotmail.com