لست أفهم لماذا ولمصلحة من يجري من قبل الإعلام الفلسطيني والعربي تضخيم قضية «سفن» كسر الحصار والتضامن التي وصلت إلى شواطئ قطاع غزة أربعة منها، كان آخرها التي وصلت ثاني أيام عيد الأضحى المبارك.
من حيث المبدأ، يدور الحديث عن قوارب صغيرة، لا طاقة لها لمواجهة أمواج عاتية، لو هبت الرياح قوية، فكيف لها أن تحدث فرقاً لو وصل منها مئة، وهل يمكن فعلاً أن تخفف ولا أقول تعالج معانات مليون ونصف المليون فلسطيني يرزحون تحت حصار إسرائيلي مشدد منذ سنوات؟
«السفن» التي يجري الحديث عنها، كلها تصل من ميناء لارنكا القبرصي، وتحمل عدداً من المتضامنين الأجانب وكميات قليلة جداً من الأدوية والمواد الغذائية، التي تخضع لتدقيق أمني إسرائيلي واسع قبل انطلاقها.
قبل نحو أسبوعين، أرسلت ليبيا سفينة تحمل على متنها ثلاثة آلاف طن من الأغذية والأدوية والمعدات، كانت مصادر ليبية رسمية قد تحدثت عنها قبل انعقاد الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم السادس والعشرين من الشهر الماضي، غير أن إسرائيل اعترضتها، وحولت وجهتها إلى شواطئ مدينة العريش المصرية، قبل أن تنقطع أخبارها.
إسرائيل أيضاً كانت رفضت طلباً قطرياً بإرسال سفينة أخرى جاء قرار إرسالها، في ضوء القرار الذي اتخذه المجلس الطارئ لوزراء الخارجية العرب الذي أشار إلى ضرورة إرسال مساعدات عاجلة لسكان قطاع غزة لم يصل منها شيئ حتى اللحظة.
ومنعت إسرائيل أيضاً سفينة كانت قد بادرت لتجهيزها أحزاب ومنظمات مجتمع مدني وجمعيات فلسطينية داخل إسرائيل، وكانت أيضاً ستحمل عدداً من المتضامنين الفلسطينيين والإسرائيليين فيما لم تصل المناقشات في البرلمان الأردني إلى نتيجة بشأن إرسال سفينة تحمل مواد غذائية لسكان القطاع.
الموقف الرسمي الإسرائيلي إزاء «ظاهرة» إرسال سفن كسر الحصار أعلنه الناطق باسم وزارة الخارجية الذي قال إن إسرائيل لن تسمح بوصول سفن إلى شاطئ القطاع، ما لم تخضع لتدقيق وإشراف أمني مسبق، ولهذا جاء التبرير الإسرائيلي لاعتراض السفينة الليبية، بالحديث عن أنها تحمل أسلحة ومواد عسكرية.
ولكن هل يكفي التبرير الأمني الإسرائيلي، للإجابة عن سؤال لماذا تسمح إسرائيل لبعض القوارب بالوصول إلى شواطئ غزة، وتمنع دخول سفن قادرة على حمل كميات أغذية يمكن في حال وصولها أن تخفف الأزمة الإنسانية التي يعاني منها سكان القطاع؟
في الواقع ثمة جملة من الملاحظات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار، أولها أن إسرائيل تتبنى سياسة فرض الحصار على أهل قطاع غزة لتحقيق هدف سياسي ذي أبعاد استراتيجية.
الهدف الإسرائيلي بعيد المدى، يتصل بمصلحة إسرائيل في مواصلة خنق قطاع غزة، لدفعه إجبارياً نحو الجنوب أي نحو الاعتماد الكلي على مصر، بغض النظر عن الوسائل والآليات، وأيضاً بغض النظر عن الأبعاد الأخلاقية والإنسانية الصعبة التي تنجم عن هذا الحصار.
بمعنى آخر، لا تكتفي إسرائيل بالعمل قدر مستطاعها لتعميق الانقسام والصراع الفلسطيني الداخلي، وإنما أن الفرصة متاحة للانتقال من مرحلة الانقسام والصراع إلى مرحلة الفصل والعزل الكامل لقطاع غزة، كإجراء أساسي، تستكمل من خلاله سياسة العزل المتبعة في الضفة الغربية، من أجل خلق وقائع على الأرض، تجعل إمكانية تحقيق رؤية الدولتين وقيام دولة فلسطينية أمراً في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
في هذه الحالة، وإذا افترضنا أن المجتمع الدولي سيضغط على إسرائيل من أجل قبول فكرة قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، فإن علينا أن نتخيل الثمن الذي يترتب على الفلسطينيين دفعه من أجل قيام دولتهم، وعلى حساب أية قضايا من ملف مفاوضات الوضع الدائم، ستكون هذه الدولة؟
أما ثاني هذه الملاحظات، فتتصل بالثمن الذي تطلبه إسرائيل فعلياً من الدول التي تفكر بإرسال سفن قادرة على حمل مساعدات إغاثية حقيقية، إذ تعمل إسرائيل على استثمار مثل هذه المبادرات من أجل تطبيع أو تعميق علاقاتها مع الدول العربية المعنية، هكذا لنا أن نتوقع بأن إسرائيل كانت لتوافق على دخول السفينة الليبية، لو أن السلطات الرسمية في ليبيا أجرت اتصالاً بإسرائيل وتقدمت بطلبات رسمية من أجل السماح للسفينة بالوصول إلى وجهتها.
ثالث هذه الملاحظات أن إسرائيل حين تسمح بعبور بعض القوارب الصغيرة، تستثمر ذلك سياسياً وإعلامياً، في اتجاه نفي مسؤوليتها عن الحصار، ولإظهار مرونة كاذبة إزاء تعاملها مع الفلسطينيين.
في السياق ذاته فقط يمكن أن نفهم لماذا تقوم إسرائيل أحياناً بفتح بعض المعابر مع قطاع غزة، وتمرير بعض المواد الضرورية، كإجراءات جزائية مؤقتة، ومحدودة الأثر، بدون أن تحدث أي فرق إزاء مواصلة سياسة الحصار المشدد.
وفي الحقيقة فإن إسرائيل لن تمانع في فتح الخط البحري باتجاه قطاع غزة، ولكن بعد أن تكون تخلصت كلياً من مسؤوليتها القانونية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية إزاء قطاع غزة، كدولة احتلال، وبعد أن يكون القطاع قد استكمل انفصاله التام عن الضفة.
هكذا فإن المبالغة السياسية والإعلامية التي تتعمدها بعض الأوساط الفلسطينية والعربية، التي تدرج موضوع «السفن» في خانة الصمود وكسر الحصار، فضلاً عن اتساع شبكة الأنفاق بين القطاع ومصر، إنما تساهم في امتصاص وتخفيف ردود الفعل الدولية والعربية إزاء كارثة غزة، وأيضاً تندرج في سياق خدمة الأهداف الإسرائيلية، سعياً وراء تحقيق مكاسب حزبية خاصة على حساب المصالح والأهداف الوطنية العامة للشعب الفلسطيني.
