منذ قامت مجموعة من الطلبة الإيرانيين باحتلال السفارة الأميركية في طهران وأخذ دبلوماسييها رهائن عام 1980، لم تشهد العلاقات بين طهران وواشنطن توتراً قدر ما شهدت في السنوات الأخيرة حين عثر مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية على ما يثير الشبهة في البرنامج النووي الإيراني.

فقد تزعمت إدارة الرئيس بوش حملة لتحشيد الرأي العام في الولايات المتحدة وخارجها، لإجبار إيران على التخلي عن هذا البرنامج، ولم تكن هذه الإدارة المنتهية ولايتها طيلة هذه الفترة كثيرة البعد عن قرار اللجوء إلى القوة.

إلا أن أجندة الرئيس الأميركي المنتخب أوباما فيها مرونة شجعت طهران على تنفس الصعداء، فهو لن يضع في سياساته الخارجية خطوطاً حمراء ولن يضع شروطاً مسبقة للتفاوض مع أية جهة كما فعلت إدارة الرئيس بوش.

انتهزت إيران فرصة فوزه بالانتخابات فبعثت على لسان رئيسها بالرسالة الأولى: تهنئة بالفوز ودعوة إلى بناء علاقات جديدة على أسس التفاهم. ومع أن طهران لم تتلق إجابة عن هذه الرسالة حتى الآن، إلا أنها بعثت برسالتها الثانية الأكثر بلاغة، وهي تأييدها بطريقة غير مباشرة للاتفاقية الأمنية التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة.

وهو موقف مغاير تماماً لما كانت طهران تعلنه طيلة الفترة السابقة. فقد أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية في الأول من ديسمبر الجاري، أن إيران ستؤيد الاتفاقية بين العراق والولايات المتحدة إذا وافق عليها الشعب العراقي في الاستفتاء الذي سيجري بشأنها بعد ستة أشهر من توقيعها حسبما أقر مجلس النواب العراقي ذلك حين أقر الاتفاقية.

رسالتا الغزل ما كان لهما أن ترسلا لولا صعود أوباما إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، فقد قرأت طهران رسالة الرئيس الجديد بارتياح كبير، فلها أن تأمن على نفسها فالولايات المتحدة لن تقدم على عمل عسكري ضدها، على الأقل في المستقبل القريب. كما أن لها أن تأمل بأنه قد يتيسر لها حل تجد فيه ما يُقبل، خاصة بعد أن أعرب منسق السياسة الأوروبية خافيير سولانا عن أن من الضروري إيجاد حل يكسب فيه الطرفان.

ومما عزز الارتياح في الأوساط الإيرانية الرسائل التي بعثها عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي وجهات أميركية أخرى غير حكومية إلى رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني، تبدي فيها رغبتها في بدء الحوار بين طهران وواشنطن.

إلا أن أجواء التفاؤل هذه قد لا يكون لها ما يبررها على أرض الواقع، فرسالتا الغزل اللتان بعثتهما طهران إلى واشنطن قوبلتا بالصدود، فالولايات المتحدة لن تغض الطرف عن النشاط النووي الإيراني المثير للجدل.

فقد أعرب أوباما في أول مؤتمر صحافي له عقب فوزه بالرئاسة الأميركية، عن أن بلاده لن توافق على امتلاك إيران للسلاح النووي، وعاد إلى تأكيد ذلك مؤخراً حين صرح بأن عدم تخلي إيران عن برنامجها النووي لقاء حزمة من المحفزات، سيؤدي إلى تشديد العقوبات عليها.

معظم التحليلات السياسية للطريقة التي سيقارب فيها الرئيس المنتخب أوباما الملف الإيراني، ترجح عدم تعجله في البدء بالحوار مع طهران. فهو على خلاف الرئيس بوش المنتهية ولايته، لديه فرصة أكبر لتحقيق أهداف الإدارة الأميركية في إجبار طهران على التخلي عن برنامجها النووي، دون الحاجة إلى استخدام القوة.

فقد وفرت له الأزمة المالية التي يمر بها العالم أداة فعالة جداً لقلب الموازين في منطقة الشرق الأوسط، فالتدهور السريع في أسعار النفط بقدر ما هو عامل أمل لخروج الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين من الأزمة المالية الخانقة التي عصفت بهم باعتبارهم أكبر المستوردين له، أصبح عامل ضغط شديد على اقتصادات الدول المصدرة له، وخاصة إيران التي تعتمد في برامجها التنموية والتزاماتها الكثيرة نحو عدد من الدول والمنظمات، على العائدات الضخمة من تصدير النفط.

فقد أبان تقرير نشرته محطة «بي بي سي» الإخبارية أن كل دولار ينخفض به سعر النفط تخسر معه إيران مليار دولار سنوياً، وقد سبق لصندوق النقد الدولي أن تنبأ في أغسطس المنصرم بأن إيران ستواجه عجزاً مالياً حين ينخفض سعر برميل النفط إلى 75 دولاراً، فما بالك بانخفاضه إلى ما دون الأربعين دولاراً!

كانت أسعار النفط المرتفعة هي ما وفر لإيران الحماية من التعرض لضربة عسكرية وحماها كذلك من التعرض لعقوبات تطال صادراتها النفطية، أما الآن فإن ما كان يتعلق بهذا المحظور قد أسقطته الأزمة المالية العالمية.

فالولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون قد يلجأون في حالة الفشل في إقناع إيران بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم، إلى رفع سقف العقوبات على طهران لتشمل الحظر على صادراتها النفطية، وفي حالة عجزهم عن الحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي بذلك، قد يسعون إلى إقناع الدول التي تستورد النفط الإيراني بالعزوف عن شرائه.

كما حصل في خمسينيات القرن المنصرم حين تصدوا لحكومة الدكتور محمد مصدق التي أممت النفط ونجحوا في إسقاطها. فالمطروح من النفط في الأسواق يفوق الطلب، وهنالك قدرة على زيادة إنتاج دول أخرى للاستغناء عن النفط الإيراني ووضع طهران أمام خيارات صعبة جداً.

وحين يبدأ التراجع في دخل إيران من عائدات النفط في التأثير على اقتصادها، وحين يأخذ فاعليته في الحياة اليومية للملايين من الناس، ستواجه إدارة الرئيس نجاد مشاكل كبيرة للغاية، فالخيارات المتوافرة أمامها ليست غير الاقتصاد في النفقات.

وهو أمر من الصعب رؤية فاعليته، سيما وأن مستوى التضخم قد بلغ 25% وتجاوزت نسبة البطالة 10%، وهي أرقام تهدد فرص الرئيس نجاد، الذي يمثل التيار المتشدد في المؤسسة السياسية الحاكمة في طهران، بالفوز بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية المقبلة في يونيو 2009، وتفسح المجال لصعود تيار معتدل قد لا يجد غضاضة في قبول تسوية ترضي الأسرة الدولية.

majamal@emirates.net.ae