جرأة بعض الناس في ممارسة سلوكيات غريبة على عاداتنا وتقاليدنا، وعلى ديننا قبل ذلك، تثير استغرابي في كثير من الأحيان، وتدفعني للتفكير ـ الذي لا يفضي إلى نتيجة غالباً ـ في المراحل السوداء التي قطعناها حتى وصلنا إلى هذا المستوى الأخلاقي المتدني في أمور نحن غير مضطرين لأن نقوم بها.
قبل فترة ليست قصيرة فوجئت مع مجموعة من الصديقات والأصدقاء بوصول رسالة بريدية إلكترونية من عنوان جديد بالنسبة إلينا. كانت الرسالة من صديقة لنا تعرض بريدها الإلكتروني للسرقة من قِبَل قراصنة الإنترنت، وهي تعلن في هذه الرسالة براءتها من كل ما يمكن أن يصل إلينا من عنوانها البريدي الإلكتروني السابق ـ الذي كنا نراسلها عليه أساساً ـ منذ ذلك التاريخ مما يمكن أن يحتوي على نصوص أو صور مخالفة للدين أو الأخلاق أو لمواقفها الفكرية والثقافية عموماً.
الغريب في الأمر أنه لم يصلنا أي شيء من عنوانها السابق، لا رسائل إلكترونية مزعجة، أو غير لائقة، ولا رسائل على برنامج المرسال (الماسنجر)، ولا أي شيء. نسينا تماما ذلك العنوان السابق، وأصبحنا نتواصل مع صديقتنا من خلال عنوانها الجديد، الذي أحسب أنها ستعرف كيف تحافظ عليه جيداً وتحميه من أن تطاله أصابع المتخصصين في سرقة العناوين الإلكترونية، لأسباب لا يعرفها غيرهم.
الذي يجدر ذكره هو أن هذه الصديقة كانت قد كتبت حينها مقالة رائعة، عنوانها (سارقو الكحل)، أعتقد أن من الضروري أن يقرأها كل من لديه رغبة في معرفة بعض طرائق الحفاظ على العناوين الإلكترونية من التعرض للسرقة، لأنها تحدثت فيها عن خبرتها التي اكتسبتها من هذا الموقف الغريب الذي لم تجد مبرراً له، سوى شعور بعض الأشخاص بلذة الحصول على شيء ليس لهم، ثم رميه دون أسف، لأنهم لا يحتاجون إليه أساساً.
قبل ذلك بفترة وجيزة وصلتني رسائل مزعجة على برنامج المرسال (الماسنجر) من صديق أعرف أخلاقه جيدًا، ولكن هذه الرسائل لا تشبهه في شيء، لأنها بعيدة عن الأخلاق تماما، فما كان مني سوى أن تجاهلتها وكأنها لم تكن. وقد كان هذا خطأ مني، اذ تنبيه الشخص صاحب البريد واجب في مثل هذه المواقف.
خلال يومين كان هذا الصديق يرسل من عنوان جديد رسالة يبرأ فيها من عنوانه الإلكتروني المعروف، ويعلن تعرضه للسرقة، وعدم قدرته على الوصول إليه على الرغم من كل محاولاته لاختراقه بعد السرقة، فما كان منه إلا أن أنشأ عنوانًا بريدياً إلكترونياً جديداً، وبدأ يراسل من استطاع أن يتذكر عناوينهم الإلكترونية من الأصدقاء، أو من استطاع أن يحصل على عناوينهم من المواقع الإلكترونية التي يكتبون فيها.
على الأقل السبب هنا واضح في السطو على هذا العنوان البريدي، وهو وإن كان غير مقبول لا ديناً ولا عرفاً إلا أننا يمكن أن نقف على سبب. أما في حالة الصديقة السابقة فقد بقي السبب في بطن السارق حتى هذه اللحظة.
في تلك الفترة أيضاً تعرضت إحدى صديقاتنا وزميلاتنا في العمل لحادثة مماثلة تقريباً، إذ إنها استجابت ـ بحسن نية ـ لرسالة وصلتها عبر البريد الإلكتروني تطلب منها بعض المعلومات الشخصية بهدف تحديث بياناتها على موقع الشركة نفسها، ولم تكن تعلم أن الذي طلب منها هذه البيانات هي جهة متخصصة في سرقة العناوين البريدية الإلكترونية.
والاحتيال من خلالها على عناوين أخرى موجودة في دفتر العناوين لحثهم على إرسال الأموال لصاحب البريد الذي تمت سرقته، وذلك بإرسال رسالة باسمه لهذه العناوين المخزنة في بريده يخبرهم فيها بأنه محتجز في إحدى الدول بعد أن نفدت نقوده، وأنهم سمحوا له فقط بكتابة هذه الرسالة ليتمكن من طلب المال من بعض أصدقائه حتى يُسمح له بالعودة لبلاده.
حدث هذا الموقف لهذه الصديقة مع صديقة أخرى رأتها قبل ذلك بأقل من أربع وعشرين ساعة، فاتصلت بها مباشرة، وسألتها إن كانت قد أرسلت بياناتها الشخصية لجهة ما من خلال البريد الإلكتروني فردت بالإيجاب، فأخبرتها أن بريدها قد تعرض للسرقة.
وأن رسالة باسمها وهي تطلب المال قد وصلتني من عنوانها البريدي ولا شك في أنها وصلت لجميع العناوين المسجلة في دفتر العناوين عندها، فما كان من الصديقة العزيزة إلا أن أنشأت عنواناً بريدياً آخر وأرسلته لجميع من تملك عناوينهم، وأعلنت براءتها من العنوان السابق ومن كل محتوى قد يصل من خلاله.
مثل هذه المواقف تتكرر كثيراً بين حين وآخر، ولا نعجب حين تصدر عن أشخاص من خارج حدودنا، لأنه لا توجد لهم أطر من دين أو خلق تقف بهم عند حد فلا يستطيعون تجاوزه، وتعيدهم إلى صوابهم إن جمح بهم التفكير أو طغت عليهم رغبة شيطانية في الإفساد لمجرد الإفساد.
لكننا نعجب حين تصدر من بني جلدتنا، ونحن ندرك أن أمورًا مثل الدين والأخلاق تتفاوت من شخص لآخر داخل الأسرة الواحدة، فكيف في المجتمعات الكثيرة الممتدة من المحيط إلى الخليج، إلا أن سذاجةً تفرض نفسها أحياناً على تفكيرنا فتدفعنا إلى إنكار أن تصدر مثل هذه التصرفات عن شخص منا، وننكر ونحن نعرف أنها سذاجة منا أن ننكر.
ليس هذا هو فقط ما يمكن أن يصل إليه محترفو السرقات الإلكترونية، بل هناك أوجه أخرى أيضًا تمثل شكلا من أشكال انتحال الشخصية، كالذي فوجئت به به قبل أيام، على الرغم من أن عمره عدة شهور، وهو انتحال شخص ما لاسمي ووظيفتي في جامعة الإمارات، والمشاركة به في أحد المنتديات الإلكترونية المحلية، دون أن يجد هذا الشخص غضاضة في ذلك.
وقد قمت بمجرد اكتشاف ذلك بمراسلة إدارة الموقع، وتسجيل شكوى ضد عملية الانتحال هذه، وأنا بهذا أعلن براءتي أيضاً من أي مضمون قد يقدم عبر ذلك المنتدى أو غيره باسمي، لكن سذاجة الإنكار ظلت حاضرة، وأنا أحدث نفسي قائلة: هل يُعقل أن تصدر مثل هذه التصرفات عن أحد أبناء أو بنات بلدي!.