بمجرد أن اتفق زعماء الكتل الحزبية الكبيرة في إسرائيل على إجراء الانتخابات النيابية العامة في فبراير المقبل، فتحت بورصة المزايدات والمناقصات السياسية وغير السياسية أبوابها هناك. ومن المعلوم بحكم السوابق أن مواسم انتخابات الكنيست تزخر بالأطروحات والرؤى والمواقف التي تخص ملف العلاقة مع العرب عامة والفلسطينيين خاصة.
شركاء المجال السياسي الإسرائيلي عادة ما يتخذون من هذا الملف مادة دسمة للتناظر والجدل والمساومة، بإسداء الوعود وتطيير المناورات أو بالإكثار من التهديد والوعيد. وفي سرادقات الموسم الانتخابي المنصوبة حاليا، تدور الملاسنات والأحاديث الهامسة والزاعقة حول قضايا فلسطينية وعربية وإقليمية تمتد من غزة إلى طهران.
بعض أصحاب هذه الأحاديث يثير شهية المتابعين باحتمال الاقتراب إيجابياً من المبادرة العربية للسلام الاستراتيجي، الواقفة بباب إسرائيل والشرق الأوسط منذ قمة بيروت عام 2002. وهناك بعض آخر ينذر بحرب لا هوادة فيها تقضي على حماس في غزة والمشروع النووي الإيراني وحزب الله في لبنان دفعة واحدة، حتى من دون شارة أميركية خضراء!
ويتلاعب بعض ثالث بأعصاب من يهمهم الأمر، بمعسول الكلام عن حكمة السلام مع دمشق لتفريق شمل «معسكر الممانعين»، ولو كان الثمن هو «التنازل» عن الجولان. لا جديد فارقا في هذا المشهد الإسرائيلي الذي بات يتكرر كل عدد محدود من السنين.. بل ولنا أن نلاحظ إعادة الإنتاج الممل لكثير من الوجوه والرموز التقليدية إلى الصدارة بين يدي هذه الحملة الانتخابية..
فعلاوة على شيمون بيريز الثعلب القديم؛ الذي يحاول تقمص دور شيخ الناصحين الحكماء وعاظ السلام من على سدة الرئاسة ذات النفوذ الضئيل، ثمة إيهود باراك الذي نكص عن وعده بالخروج من المسرح السياسي والاعتزال شبه المبكر، يوم هزم في انتخابات سابقة أمام أرييل شارون.. وبنيامين نتانياهو كبير الموصوفين باليمينيين الليكوديين خلفاء مناحيم بيجين واسحق شامير.. وشاؤول موفاز الطامع في تسجيل أي شيء ينقله إلى مصاف القياديين الكبار في السجل العسكري أو السياسي.
وعلى الرغم من حداثة عهدها بالصعود والقيادة الحزبية، إلا أن تسيبي ليفني، وريثة إيهود أولمرت على رأس كاديما، أضحت اسما بارزاً في أروقة صناعة القرار الإسرائيلية ومن المشهورين نسبياً في الأوساط الشرق أوسطية والدولية ذات الصلة بمجريات الصراع والتسوية الفلسطينية (والعربية) الإسرائيلية.
إلى ذلك، لا يخبئ الإسرائيليون، نخبة وناخبين، مفاجآت من أي وزن على صعد البرامج والأهداف والتوجهات، إذ يكاد ينعقد إجماع أهل الذكر، داخل إسرائيل وخارجها، على اصطفاف الناخبين بأغلبية واضحة منتظرة خلف نتانياهو ورهطه في الليكود. وعلة ذلك انجراف الشارع الإسرائيلي أكثر فأكثر إلى تيارات اليمين، بميولها المعادية للديمقراطية واتجاهاتها العنصرية، وإصرارها على التوسع الاستيطاني واختطاف القدس، ورفضها المطلق لتطبيق حق العودة الفلسطيني، والمضي في بناء جدار الفصل العنصري وتجاهل حدود 1967 والتشدد في قضية الترجل عن الجولان.
أيضاً لا جديد في حوارات الأحزاب العربية في الداخل الإسرائيلي مع بعضها البعض، سعياً إلى التوافق على ما يؤدي إلى زيادة عدد النواب العرب في الكنيست القادم. فلطالما بحت الأصوات العاطفة على هذا الهدف، ولطالما فشلت هذه الأحزاب في الائتلاف على قواسم ومن ثم قوائم مشتركة، وليس ثمة ما يبشر بنتيجة مغايرة في هذه الجولة..
أقله بالنظر إلى أثر العدوى من التشاحن البغيض بين قوى الحركة الوطنية الفلسطينية العامة على الجانب الفلسطيني من الخط الأخضر.. ما نحسب أنه مختلف، وربما كان معاكساً للتقاليد المتوارثة في غمرة هذه الحملة الانتخابية، هو الفتور الفلسطيني والعربي النسبي تجاهها قياساً بسوابقها خلال العقدين الماضيين.
فأخبار الاستعدادات الإسرائيلية للانتخابات، وما يندرج تحتها من مناكفات وخطابات واختلافات واتفاقات وصفقات، لا تحظى بالأولوية والانشغال في الخطابين السياسي والإعلامي فلسطينياً وعربياً، خلافاً للمعهود منذ بداية عملية مدريد وتوابعها في خريف 1991. وسائط الإعلام الفلسطينية والعربية تكاد تخلو عموماً من هذه الأخبار، وتوشك تفاصيل تفاعلات الداخل الإسرائيلي في إطار الانتخابات المزمعة أن تغيب تماماً من أحاديث المسؤولين الفلسطينيين والعرب وثرثراتهم السياسية.
هذا التقدير، الذي نعتقد في صحته إلى إشعار آخر، يوجب التساؤل عن أسبابه ودواعيه. ترى هل يعود هذا العزوف إلى تلهي الحالة الفلسطينية بمعاركهما الداخلية وانجرار العرب خلف محاولات استدراك هذه الحالة وانتشالها إلى بر الأمان والمعافاة؟
أم أن الأمر يتعلق بقناعة فلسطينية وعربية بلا جدوى العناية بمن راح وجاء من أحزاب وقوى على سدة الحكم وصناعة القرار في إسرائيل بعد تجربة غنية مع كافة ألوان الطيف السياسي هناك؟ هل آمن صناع السياسة من الفلسطينيين والعرب بوجود ثوابت لدى الجانب الإسرائيلي لا يتزحزح عنها، بغض النظر عمن يفوز أو يخسر في الانتخابات؟ هل صرفهم الانشغال بالوافد الجديد إلى البيت الأبيض عن الوافد المحتمل إلى أغلبية الكنيست؟
