إلى غزة حيث انطفأت فرحة العيد بانطفاء الحياة نفسها واغتيال ما تبقى من رغبة في التعاطي مع مظاهر العيد تأخذنا الشجون ونحن نستقبل تباشير صباح عيد الأضحى، فيقف أطفال غزة بيننا وبين الفرح، كلما حاولنا أن نعيد ابتسامة النسيان إلى شفاهنا يصفعنا منظر البؤس الساكن أجفانهم، وثيابهم الرثة التي تشكو حال القهر الذي ينام ويصحو بينهم.

والمعاناة التي تكسو وجوه أمهاتهم، ومريضهم الذي يشرف على الهلاك ويعد سكان قطاع غزة الأفقر في العالم حيث يعيش أكثر من 80% من سكانه على مساعدات منظمة الاونروا التي أعلنت منذ أيام أن مخزونها من المواد الغذائية والتموينية على وشك النفاد في حال استمرار الإغلاق الصهيوني لمعابر القطاع.

ومن المفارقة أن يعيش الغزاويون قهرا آخر هو حجب الحج عنهم فلأول مرة لم يتمكن الحاج الغزاوي من الوصول إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسكه، وقبع في بلاده محسورا ومحاصرا وضاعت فرصته في آخر فرح يمكن أن يجمعه بالعيد، وبين صراع الأشقاء الفلسطينيين تغيب حقيقة هذا المنع الذي يلقي كل طرف على الآخر السبب لهذا المنع.

فحماس تشير إلى السلطة بالضلوع في مؤامرة للاستيلاء على حصة حجيج غزة لصالحهم، والسلطة تجد أن حماس هي من أقفلت معبر رفح في وجوه الحجاج وأشار عباس في تصريحات للصحافيين أثناء أدائه مناسك الحج السبت إلى أن إسرائيل لم تمنع قط الحجاج من السفر للأراضي المقدسة، وكما هو الحال في الخلافات السياسية التي يدفع ثمنها المواطن العربي المسكين الذي لا حول له ولا قوة.

والى أقصى شمال غرب السودان تتحرك المشاعر في أيام العيد إلى دارفور، وتحديدا إلى مخيمات القماش والكرتون التي تعيش في هذه الأيام السعيدة محنة الحروب والنزوح إلى جانب البرد القارص والجوع، ورغم مبادرة الرئيس السوداني البشير الذي سميت «مبادرة أهل السودان» وهدفت إلى وضع حد لأزمة دارفور من خلال وقف إطلاق النار بين الجيش السوداني والحركات المسلحة في دارفور.

إلا أن رفض بعض الحركات لهذه المبادرة، تجعل سكان دارفور هم الضحايا الحقيقيون لهذه النزعات التي تقّوض الحلم بنهاية موفقة للمشهد المأساوي هناك في دارفور، وذكر تقرير أحد المنظمات المعنية بحقوق الإنسان أن الوضع في دارفور ينذر بالانفجار، وإن الأمن هناك في تدهور، ومخيمات النازحين تغرق بالأسلحة، وأن الغضب والإحباط يتعاظمان في صدور الجيل الجديد من أهالي دارفور.

ويُشار إلى أن عشرات الآلاف من سكان دارفور قتلوا منذ عام 2003. ولعل الرقم الذي يتم الاستشهاد به على نطاق واسع هو 200 ألف شخص لكن لا تتوافر وسيلة للتحقق من دقة هذا الرقم، ومع اقتراب هذا العام من نهايته فإن الآمال في تحسن الوضع الأمني في مطلع العام القادم هو ما يحذو سكان دارفور فهل يتحقق الحلم.

أما في شرقي إفريقيا فإن الوضع يزداد سوء بازدياد عدد الجياع فمع تفاقم الأزمة المالية العالمية فإن المنظمات الإنسانية تعاني من تراجع في تمويلها، ففي وقت سابق من هذا العام ذكرت الأمم المتحدة أنها بحاجة ماسة إلى أكثر من 700 مليون دولار لتمويل المساعدات الغذائية لإطعام أكثر من 17 مليون جائع في القرن الإفريقي لمنع وقوع المنطقة في براثن مجاعة شاملة.

يذكر أن هذه المناطق تتعرض حاليا لموجة جفاف وتنتشر فيها الصراعات إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالميا مما فاقم من حدة المشكلة، وفي ظل هذه الأزمات تبلغ قيمة احتياجات هذه المنطقة من المساعدات الغذائية لهذا العام مليار و400 مليون دولار وقد تم تأمين نصف هذا المبلغ وما زالت الأمم المتحدة بحاجة لتأمين باقي المبلغ حسب قول هولمز منسق الأمم المتحدة لشؤون المساعدات الإنسانية.

وحين نستعرض أطياف الألم والمعاناة والفاقة التي يعيشها بعض الاخوة العرب نتيجة سياسات حكوماتهم ونتيجة حتمية لانتفاء العدالة الاجتماعية، فإن هذا الوضع مهدد بالتفاقم بسبب التداعيات العالمية للأزمة المالية، ومن منطلق أن الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا.

فإن معالم البذخ والإسراف التي يستكره رؤيتها الإنسان الذي يملك قوت يومه قبل من لا يملك لا تزال تعبر عن رؤية غير موفقة لبعض المعنيين وبخاصة في الاحتفالات التي تترك صيت سلبي نتيجة الأزمة التي يمر بها العالم.

ولا سيما العالم الأكثر فقرا وحاجة، وهذا الشعور يظل يخيم على الإنسان في مناسبات الأفراح ويراود البعض حين يجد أن البعض قد حرم من الفرحة وانه يرفل في نعمة لا يقدرها التقدير المناسب، وكما يقال «إن النعمة زواله» فإن مبدأ التكافل يفرض نفسه في هذه الأجواء التي تتلبد بمختلف المشاعر.

ولعل أضعف الإيمان أن تصبح المشاركة الوجدانية هي السبيل الوحيد بعد أن حرمنا كشعوب من مساعدة بعضنا نتيجة كثير من الاعتبارات، وان ما تقوم به المؤسسات والجمعيات الخيرية ووجوه الخير مشكورة لا يزال غير ملب لسد الحاجة إلا بالقدر اليسير، وحتى المؤسسات الدولية التي تملك ميزانيات ضخمة تقف عاجزة في بعض الأحيان عن تقديم المساعدات المطلوبة.

بل يفشل بعضها في القضاء على مشكلات الجوع والبؤس حين يتحول محيط هذه المؤسسات إلى جحيم في ظل واقع لا يعترف بالإنسانية، بل يصبح عمل هذه المؤسسات مجرد مغامرة يمكن أن تذهب أرواح موظفيها سدى في سبيل القيام بواجباتهم الإنسانية، لذا تبقى القلوب تهفو إلى عالم بلا حروب أو قهر أو فجائع فمتى يحين وقت السلام؟.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com