قال الإمام محمد عبده (إن انتساب غير المسلمين إلى الأمة لايقل أصالة عن انتساب المسلمين أنفسهم إليها) وهذا ما أثبته نشاط العرب المسيحيين طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث لعبوا دوراً محورياً في حركة النهضة العربية وحركة القومية العربية في بلاد الشام على الخصوص، ونادوا بالوحدة الوطنية والوحدة العربية حتى قبل استقلال البلدان العربية وقبل استكمال مقومات الوحدة.
لقد حمل العرب المسيحيون شعلة النهضة العربية منذ بداية القرن التاسع عشر فكراً وثقافة وقيماً وتراثاً فالتزموا وساهموا بإحياء اللغة العربية والثقافة العربية والتراث القومي والنهضة القومية بأشمل معانيها، فقد كان المعلم بطرس البستاني وهو من أوائل المتنورين والمنورين يفتخر بالحضارة العربية ويؤمن بعروبة جميع الناطقين باللغة العربية مسلمين ومسيحيين (ألا تشربون كلكم نفس الماء.
ألا تتنفسون كلكم نفس الهواء) وعمل على تحقيق الوحدة الوطنية فكان شعار مجلة (الجنان) التي أسسها (حب الوطن من الإيمان) وذهب هذا القول مثلاً في بلاد الشام حتى أيامنا هذه وأكد على ضرورة الالتزام باللغة العربية (كي لا تصبح سورية أي (بلاد الشام).
بابل لغات كما هي بابل أديان) وألف القاموس المحيط ثم بدأ تأليف ونشر دائرة المعارف التي أكمل أبناؤه من بعده، وفتح مدرسة وطنية للمسلمين والمسيحيين معاً وكان يصر أن تكون كذلك. أما سليم البستاني فقد كان مؤمناً بأن (الأمة العربية سوف تستعيد غداً ما فقدته أمس عن طريق إنجاز الوحدة وبقوة الولاء للأمة.
وهو ما يتماشى مع التكامل الوطني) وشدد ناصيف اليازجي على بعث اللغة العربية وطالب فرانسيس مراش بنشر التعليم وتغيير العادات والتقاليد وانضم أديب إسحاق إلى حلقة جمال الدين الأفغاني وأصدر مجلة (مصر) وصحيفة (التجارة في القاهرة وباريس والإسكندرية وساند ثورة عرابي، وطالب بمقاومة التدخل الأوروبي.
وكان يقول(إن غايتي هي السمو بتفوق الدم العربي)، وأنشأ إبراهيم اليازجي مجلة (البيان) في بيروت وتولى رئاسة تحرير مجلة (النجاح) ثم هاجر إلى مصر وأنشأ مطبعة (البيان) وأصدر مجلة بالاسم نفسه وأسس جمعية سرية مع مناضلين مسلمين هدفها العمل للوحدة العربية وهو الذي قال (تنبهوا واستفيقوا أيها العرب.. فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب).
وترجم فرح أنطون عدداً كبيراً من المؤلفات الأوروبية مساهمة منه في حركة النهضة وهؤلاء جميعاً من نهضوي القرن التاسع عشر، حيث كانت الأمة تحت الاحتلال والانحطاط وتعيش في الظلام. شارك المناضلون العرب المسيحيون في تأسيس الجمعيات العربية، التي تزايد عددها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى بلغ العشرات.
وما لبثت أن شاركت في (المؤتمر السوري العربي الأول) الذي عقد في باريس عام 1913 وكان نصفه من المسيحيين وهو القوة الحقيقية التي ساهمت بالثورة العربية الكبرى واعتمد عليها الشريف حسين والملك فيصل خلال الثورة وبعدها.
هذا حال الأمة وفكرها ورأي مثقفيها قبل قرن ونصف القرن وفي ظروف صعبة، حيث كان ينخر بجسمها الفقر والجهل والأمية والاستبداد العثماني وتتحفز الدول الأوروبية للانقضاض عليها، ومع ذلك لم تجد الطائفية والمذهبية والخلافات الدينية والقومية محط قدم لها في المجتمعات العربية متعددة الأديان والمذاهب والإثنيات.
ومن المهم أن نتذكر أن معظم مسيحيي بلاد الشام هم غساسنة يمنيون سكنوا هذه البلاد قبل الفتح الإسلامي، أو مناذرة استوطنوا جنوب العراق، أو قبائل عربية (قحة) قدمت إلى بلاد الشام قبل الإسلام، ثم انتشروا فيما بعد في مختلف المناطق، ولعل معظم مسيحيي لبنان الحالي يعرفون أصولهم العربية .
وقبائلهم والمناطق التي قدموا منها ويفتخرون بأصولهم هذه. تنطلق الآن أصوات مسيحية وتتشكل تيارات سياسية وأحزاب دينية وتنظيمات علنية وسرية في داخل البلاد العربية وخارجها، تستغل اضطهاد المسيحيين أو الانتقاص من حقوقهم في المواطنة المتساوية في بعض البلدان العربية وتنادي بالمحاصصة أو باللامركزية السياسية .
أو حتى بالفيدرالية من أجل خلاصهم من (الخطر الداهم) وذلك بعد هذا التاريخ الطويل والمجيد من نضال المسيحيين العرب ودأبهم للحفاظ على النسيج الاجتماعي للأمة واعتزازهم بها وبلغتها وحضارتها ومساهمتهم العظيمة في تحررها، وتشبثهم بالأرض والثقافة والروابط القومية خلال قرون ورفضهم لإغراءات الغزاة الفرنجة وتحملهم (ظلم ذوي القربى).
ومحاولاتهم إنجاح حركة التنوير وتحقيق نهضة الأمة ووحدتها، فكيف حصل ذلك بعد قرن ونصف القرن وبعد استقلال البلدان العربية وقيام دول عربية مستقلة (حديثة) وتطورها وتفجر الاتصال وانتشار الحداثة وتراكم الثقافة وارتفاع مستواها وتشكيل وعي جديد .
وفي خضم صراعات عالمية وإقليمية تقتضي أول ما تقتضي تلاحم أبناء الأمة على مختلف أديانهم وطوائفهم في وحدة وطنية متينة؟ هل التدخل الخارجي هو السبب كما يراه البعض، حيث تعمل الدول الاستعمارية والصهيونية العالمية منذ قيام إسرائيل على تفجير الوحدة الوطنية في بلداننا وجعل تياراتنا الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها تتسابق للاستقواء بالأجنبي كي تتاح الهيمنة على مقدراتنا وتحقيق أهدافها من خلال فرقتنا وتدمير تآلفنا الوطني؟
أم هو التطرف الطائفي والمذهبي والإثني الذي من شأنه أن ينخر بالوحدة الوطنية ويفتت الأمة ويحول الوطن إلى أوطان ويؤدي إلى سفك دماء أبناء الوطن الواحد، حيث يكفّر الناس بعضهم البعض الآخر ويتهمه بالخيانة والمروق ويعمل للهيمنة عليه بل ولتصفيته ويحوّل مواجهة الخارج إلى مواجهة في الداخل ويبيح حمل السلاح واقتراف المجازر ضد الأخ وابن العم؟
أم هو بقايا عصر الانحطاط الذي ابتليت به الأمة فغيرت جلدها وتغيرت قيمها ومثلها وثقافتها وحضارتها وتقاليدها وتراجع حرصها على حماية مكونات نسيجها الاجتماعي ولحمتها الوطنية والحفاظ عليهما ودعمهما وتمتينهما؟ سواء كان السبب هذا أو ذاك أم هذا وذاك معاً فإن الأمة في محنة إن لم تخرج منها سوف (تتذرر) وتخسر الغنى الثقافي والاجتماعي الناتج عن التنوع ولن ترى بعدها إلا بعين واحدة.