نحن منزوون خلف كتلة كبيرة سببها الطوفان البشري الوافد، ولهذا فإن المواطن يضيع وسط هذه الغيمة الكتلة ولجعل الهوية المحلية هي الطاغية والمسيطرة والواضحة، فهذا يحتاج إلى سلسلة من الإجراءات تهدف إلى هذا البروز، فإن قلت إن الشارع هويته محلية، يعني أنك تحتاج إلى مظاهر هذه الهوية لكي تعزز وجودها في هذا الشارع، حتى في أدنى مستويات هذا البروز، وهو الشكل الخارجي، فأنت تبحث عن المواطن بين الأمواج البشرية ولا تجده إلا ما ندر..

وسائل الإعلام قنوات ظهور وإبراز، ويعول عليها بالكثير في إضفاء الصورة المحلية، التي هي صورة الهوية في شكلها المظهري، وفي المجتمع قطاعات كبيرة يعمل فيها المواطنون؛ غائبة عن نور الإعلام ودوائره المضيئة.. كثيراً ما أفكر في حياة طلبتنا وطالباتنا في جامعاتهم وكلياتهم، هذه الجامعات والكليات مجتمعات صغيرة تضم الآلاف منهم، كلهم مغيبون خلف جدران فصول الدراسة وبالتالي هم شبه معزولين..

بالأمس ووسائل الإعلام تبرز ما حققته مسيرة الوحدة الوطنية من إنجازات على صعيد التعليم الجامعي، اخترقت كاميرات التلفزيون تلك الأسوار وظهر خلفها جيل كامل من أبناء الوطن وبناته، كان الهدف ليس تفاعلات هذا المجتمع الطلابي، وإنما إبراز صورة منجزات التعليم.

محطاتنا التلفزيونية وإذاعاتنا لديها العشرات من برامج الترفيه والتسلية، جزء كبير منها مستورد، أو إنه مصنوع محلياً لكنه لا ينتمي للمحلية، وبالتالي لا ينتمي للهوية.. لكن ليس هناك برنامج ينقل لنا يومياً نبض حياة الطلبة والطالبات داخل جامعاتهم وكلياتهم.. مع أن هناك حياة علمية وأنشطة ثقافية وفنية، وهناك طلاب وطالبات لديهم الشيء الكثير ليتحدثوا عنه، ولديهم رغبة كبيرة في التفاعل والتواصل مع مجتمعهم وقضاياه التي هي قضاياهم.. لا توجد برامج تنقل نبض الحياة في هذا القطاع على أهميته، ولا حتى برنامج يتيم وحيد.. وإنما مجرد لقطات وومضات تلفت بالصدفة هنا وهناك.

مقابلات الطلبة والطالبات وتجسير العلاقة بينهم وبين مجتمعهم عبر وسائل الإعلام، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة والتفاعل مسألة مهمة جداً، لأنها ترفع الصوت المحلي ونبرته، وبالتالي تدفع بالهوية إلى البروز والتمظهر.

هذا قطاع واحد فقط، فما بالنا ببقية القطاعات، ووسائل الإعلام وسيلة من ضمن جملة وسائل قادرة على فعل التمكين الذي نبحث عنه اليوم ونبحث عن آليات لتمكينه.

هذا جانب بسيط من جملة جوانب بإمكاننا أن نخترق بها الطوفان البشري، وطوفان الخليط من الهويات التي جلبناها تحت دواع لا عد لها ولا حصر، وصارت هي التي تغلف مناخنا، وصارت هي الهواء الذي نتنفسه!

mhalyan@albayan.ae