أزمات سياسية..أزمات اقتصادية..أزمات أمنية..أزمات طبيعية..أزمات دولية..أزمات إنسانية..أزمات فنية، لكن على رأس تلك الأزمات تظل الأزمتان: الاقتصادية والأمنية.

وهذه الأزمة جعلت من إمبراطورية عظمى كالولايات المتحدة الأميركية تترنح تحت ضربات الانهيار الاقتصادي كما ترنح تحت ضربات الملاكم الزنجي الأميركي الذي تحول إلى الإسلام محمد علي كلاي أخطر ملاكمي العالم.

وقد بدأ الانهيار الاقتصادي في الولايات المتحدة مع انهيار كبار المؤسسات الاقتصادية في أوروبا، وتلتها دول أخرى ولم تسلم منه منطقة الشرق الأوسط ولا منطقة الخليج الغنية بموارد النفط.

ونتج عن ذلك فوضى أميركية - أوروبية - عالمية - نفطية - أمنية - اقتصادية ما بعدها فوضى حيث أعلنت مؤسسات مصرفية كبرى في الولايات المتحدة الأميركية عن إفلاسها ووجد مئات الآلاف من المستثمرين أنفسهم يحملون أرقام حسابات خاوية لا تسمن ولا تغني من جوع.

وكان منظر تساقط المصارف الأميركية والأوروبية أشبه بالزلزال المدمر الذي ضرب مدينة بان الإيرانية قبل سنوات وسوى بها وبأهلها الأرض. وبدت الولايات المتحدة الأميركية أشبه بالغريق الذي لم يجد في محنته تلك من يمد له يدا ولا قدما ولا حتى قشة نجاة.

بل ان العالم ألقى بالتبعة واللوم عليها وعلى سياسات رئيسها الذي غامر باقتصاد بلده وبخزينتها وبالعالم في حروب لم يجن منها سوى الخيبة والدمار، والذي اضطر للاعتراف علنا بأن اقتصاد بلده يمر في أزمة الله وحده يعلم متى ستنتهي. ومع انهيار المصارف انهارت أسهم العالم وأصبحت المؤشرات الحمراء في كل الاتجاهات الهابطة تصيب قلوب المستثمرين قبل قلوب المحبين.

وإذا بالسهم الذي كان يتوج قبل سنتين ملك الأغنياء، أصبح يباع اليوم بأرخص من قيمة رغيف الفقراء. ووجد كبار المضاربين أنفسهم بين ليلة وضحاها خلف قضبان السجون أو مطاردين من قبل المصارف التي هي نفسها بالأمس كانت تغريهم بتسهيلات على شكل قطع شوكولاته ساخنة بملايين الدولارات، أو مختبئين في منازلهم يضربون أخماسا بأسداس أو خجلا من تهكم الفقراء على حالهم.

وحيث ان الأزمات لا تأتي فرادى، فقد ترنحت براميل النفط أمام ركلات جزائية مباشرة جعلته يهبط من الـ 150 دولارا للبرميل الواحد في شهر يوليو 2008 ليصل إلى أقل من 50 دولارا لنفس البرميل في شهر فبراير! أي أنه خسر 75% من سعره في 6 شهور فقط.

من الأزمات الاقتصادية غير المعقولة التي شهدها عام 2008، أزمة ارتفاع الأسعار بشكل خيالي دون مبرر. وصار العالم لا يتحدث إلا عن أزمة ارتفاع الأسعار والتضخم متناسيا أمورا كثيرة متعلقة بشكل مباشر بمصير البشرية على الأرض بدءا من التلوث إلى الأمية إلى الكوارث الطبيعية إلى انهيار الأخلاق البشرية إلى الإرهاب...

النتيجة الاجتماعية للأزمة الاقتصادية في غنى عن الشرح. ولكن كان أهمها طرد مئات الآلاف من العاملين من وظائفهم دون تعويض والذين وجدوا أنفسهم في الشارع مرتين: مرة عندما خسروا مأواهم تأثرا بأزمة العقار والمرة الثانية عندما سرحتهم شركاتهم من وظائفهم، فلا سكن يأويهم ولا مال يطعمهم. وهل هناك أزمة أكبر من تلك؟

ترى ماذا ننتظر من رب أسرة يجد نفسه في عز الأزمات الاقتصادية العالمية مسؤولا عن إطعام وإيواء أسرته وهو دون أي مصدر يؤمن له ذلك؟ إما أن ينتحر أو يصبح مجرما أو إرهابيا أو يموت جوعا. بالطبع دافع الانتقام من النظام الرأسمالي الذي أودى بمستقبله ومستقبل أولاده سيكون أكبر بكثير من ترجيح كفة العقل والتعقل. وبالتالي فنحن أمام أزمة من نوع جديد: الأزمة الاجتماعية.

وما قد يدعو للأسف، فإن العالم شرقا وغربا يعج بعصابات ومنظمات ومجموعات إرهابية وسرية وشبكات متخصصة في استثمار وجذب وإيواء مثل هذه العناصر التي خسرت كل شيء. وما نشهده اليوم في العالم من إرهاب بشتى أنواعه (وليس فقط الإرهاب السياسي) قد تعلب فيه الأزمة الاقتصادية دورا كبيرا.

الأزمة الثانية الأكبر في عام 2008 هي أزمة الإرهاب.

وحيث ان كلمة إرهاب ليس لها حدود ولا تحديد ولا تعريف يصلح لكل زمان ومكان وشعب، فإننا جميعا قد نصبح إرهابيين في عيون الآخرين وبالتالي نصبح مهدِدين (بكسر الدال) أو مهدَدين (بفتح الدال). فقد اتسعت محاور الإرهاب بطريقة غير متوقعة: امتدادا من أفغانستان إلى باكستان إلى العراق إلى لبنان إلى فلسطين إلى أوروبا إلى افريقيا إلى روسيا..

وكأن عمليات محاربة الإرهاب التي وضع خططها الرئيس الأميركي جورج بوش منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أصبحت أشبه ما تكون بعملية جراحية غير متقنة لإزالة ورم سرطاني في بدايته، فكانت النتيجة زيادة انتشاره بدلا من السيطرة عليه.

وآخر عمليات الإرهاب المخيفة كانت في الهند. ونادرا ما عرفت الهند ضربات إرهابية بهذا المستوى إعلاميا، بعد أن كانت تعتقد بأن الضربات لن تخرج عن نطاق أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان.

وهذه العملية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن الإرهاب مصوب نحو كل الشعوب وكل الأفراد دون تفرقة وقد تكون الأسباب تافهة جدا، وأن القتل (بمعناه الشامل) أصبح عملية تشبه تدخين سيجارة لا تتطلب شجاعة ولا جرأة ولا تكلف الكثير من المال.

وقد تتنوع دواعي القتل بدءا من دواعي السرقة أو الاغتصاب أو ذات علاقة بالمخدرات أو لدواعي شخصية وقد تصل إلى دواعي أنثروبولجية بهدف التصفية العرقية مثلا كما يحدث الآن في العديد من دول العالم. وهكذا لم يصبح الإرهاب عالميا فقط وإنما أيضا محليا.

فهل دخلت البشرية تدريجيا إلى مرحلة القضاء على جنسها بتحويل مفهوم عملية القتل، على مستوى الشعوب أو المستوى الشخصي، إلى ممارسة يومية عادية مبتذلة؟

يبدو أن الأيام المقبلة ستكون أكثر شدة في هذا التطرف....

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com