صدق من قال «لا يحك جلدك غير ظفرك»، فلقد كان من الصعب وربما الخطأ المراهنة على توفر إرادة عربية جماعية، تجمع الفلسطينيين المختلفين والمنقسمين على طاولة حوار يرتقي إلى مستوى التحديات الناجمة عن المخططات الإسرائيلية الرامية لتعميق الانقسام الفلسطيني ودفعه نحو الانقسام، يما يلحق أفدح الأضرار بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ويشكل تحدياً خطيراً للأمن القومي العربي.
الاجتماع الطارئ الذي عقدته الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة يوم السادس والعشرين من الشهر الماضي، فشل في تحقيق توقعات من راهنوا على الدور العربي، خصوصاً بعد أن توقف الجهد المصري عند رفض حركة حماس حضور الاجتماع الذي كان مقرراً لمناقشة الوثيقة المصرية، يوم العاشر من الشهر ذاته الذي شهد اجتماع وزراء الخارجية العرب.
كان واضحاً أن حركة حماس لم تكن لتتخذ موقفها إزاء الجهد المصري لولا معرفتها بوجود خلافات عربية بشأن الدور والإطار الذي تقوم به القاهرة من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني، ولولا ثقتها بأن اجتماع الوزراء العرب لن يتمكن من اتخاذ عقوبات بحقها، بعد أن أعلنت القاهرة على لسان وزير خارجيتها الدكتور أحمد أبو الغيط تحميل حماس مسؤولية عدم نجاح اجتماع الحوار الشامل.
وفي حين أصرت حماس على أن سبب امتناعها عن حضور اجتماع الحوار الشامل في القاهرة يعود إلى أن السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، لم تبادر للإفراج عن المعتقلين السياسيين وأغلبهم من حماس، فإن تصريحات أخرى صدرت عن بعض المقربين جداً من حماس أشارت إلى اعتراض على الوثيقة المصرية، واعتبارها صك استلام وبأنها منحازة وتفتقر للتوازن.
لكن وزراء الخارجية العرب الذين اجتمعوا على خلفية قرار سابق اتخذوه في الدورة العادية التي انعقدت في شهر سبتمبر الماضي، ما كان لهم أن يفضوا اجتماعهم بدون حد أدنى من القرارات التي يمكن التوافق عليها، خصوصاً وأن خلافاتهم بشأن الوضع الفلسطيني قد ظهرت إلى العلن قبل الاجتماع الوزاري.
إذا حاولنا تجريد البيان الذي صدر عن الاجتماع من اللغة الإنشائية والشعاراتية فإن العرب الرسميين قد اتخذوا قرارين يظهر منهما شيء من التوازن الشكلي، ولكنهما في الحقيقة يعكسان وجهة عربية عامة تقف إلى جانب شرعية الرئيس محمود عباس والسلطة التي يرأسها، وربما كان الهدف وقف تدهور العلاقات بين حركتي فتح وحماس أكثر مما هي متدهورة على خلفية الخلاف بشأن ولاية الرئيس عباس التي تنتهي وفق حركة حماس في التاسع من يناير المقبل.
القرار الأول لمحاولة إرضاء حماس، جاء بصيغة التأكيد على ضرورة إرسال مساعدات عاجلة لقطاع غزة، والتي لم يصل منها شيء حتى كتابة هذه السطور، سوى الباخرة الليبية التي تحمل ثلاثة آلاف طن من الأغذية والأدوية وتقدر كلفتها بحوالي خمسة عشر مليون دولار، منعتها إسرائيل من الوصول إلى مبتغاها، وهي مبادرة ليبية تم الإعلان عنها قبل اجتماع الوزراء العرب.
ومع أن حركة حماس رحبت بالمبادرة الليبية واستعدت لاستقبال الباخرة، إلا أن الموقف العام رفض قرار الوزراء العرب وهو القرار الثاني والذي منح الرئيس عباس شرعية الاستمرار في أداء مهامه كرئيس إلى حين إتمام المصالحة الفلسطينية وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.
فالقرار بشأن المساعدات يتخذ طابعاً إنسانياً ولا يرتقي إلى مستوى القرار السياسي بشأن كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، فيما يتخذ القرار الثاني طابعاً سياسياً وعملياتياً مهماً لكونه يضفي شرعية عربية جامعة السلطة على دور الرئيس عباس، ويعكس أيضاً توافقاً عربياً على تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية، الأمر الذي يفترض أنه يضع حداً لجدل قانوني بيزنطي بين الفلسطينيين بشأن ولاية الرئيس، غير أن حماس لم تسلم بالأمر، ولم تتوقف عن عد الأيام المتبقية من ولاية رئيس السلطة.
وعلى أرض الواقع فقد أدى توقف الحوار، ونسبياً توقف الدور المصري ولو مؤقتاً، وقرارات وزراء الخارجية العرب، كل ذلك أدى إلى ازدياد حدة الصراع والتناقض والإجراءات المقابلة بين الطرفين حماس وفتح.
أبرز معالم هذا الصراع تجلى في الموقف من بعثة الحجيج الفلسطينية لهذا العام، والتي تم ترتيبها بين المملكة العربية السعودية والسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، التي بادرت وفقاً للمعروف والمعتاد، بإجراء قرعة يحصل بموجبها الراغبون من سكان القطاع على 40% فيما يحصل أقرانهم في الضفة على 60%.
حركة حماس رفضت أن تتم القضية من خلال السلطة، وشككت في الإجراءات المتبعة لإجراء القرعة، لكن الأهم هو في أنها تريد التصرف بالكوتا الخاصة بغزة، مما أدى إلى تعطيل سفر الحجاج من قطاع غزة رغم تأكيد مصر أنها فتحت معابر رفح ثلاثة أيام ابتداءً من السبت الماضي لتمكين الحجاج من أداء مناسك الحج.
الخلاف ليس عادياً، ولا هو إداري وإنما يعكس في جوهره خلافاً حول من يتخذ القرار في غزة التي تسيطر عليها حركة حماس، وجاء الموقف السعودي منسجماً مع السياسة الرسمية للمملكة ومع قرار وزراء الخارجية العرب، والذي يؤكد دعم العرب الرسميين لشرعية السلطة التي يرأسها الرئيس عباس.
وفي الأساس فإن الرئيس محمود عباس تحسباً لخيبة أمل من الاجتماع الوزاري العربي، وربما من موقع الاجتماع المسبق، كان قد أعلن أنه لن يحضر الاجتماع الوزاري، وأنه سيضطر لاتخاذ قرار بتحديد موعد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، في حال لم تبدأ مسيرة الحوار الوطني قبل نهاية هذا العام، ثم جرى تعزيز شرعية الرئيس بقرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال انتخابه رئيساً لدولة فلسطين.
ومع الاقتراب من نهاية هذا العام يبدو أن الأوضاع تزداد توتراً بين الأطراف الفلسطينية المتصارعة والمنقسمة، بالرغم من أن التهدئة بين غزة وإسرائيل قد اقتربت نهايتها، وأيضاً بالرغم من التهديدات الإسرائيلية الجدية التي صدرت عن نائب رئيس الأركان بأن عملية واسعة ضد قطاع غزة قد أصبحت وشيكة.
هل ثمة مجال لتدارك الوقت بمبادرات فلسطينية أو عربية، أم أن نهاية العام تشهد تسارعاً في الانزلاق نحو طور أخطر من الأزمة.
كاتب فلسطيني
