على ما يبدو أن رحيل إدارة بوش القريب سيتبعه أو يرافقه رحيل الكثير أو البعض من الأنظمة الحاكمة التي صنعتها هذه الإدارة تحت شعاراتها التي رفعتها في إطار حملتها على ما أسمته بالإرهاب، مثل شعارات الديمقراطية والإصلاح والحرية، وهي الشعارات التي ملأت أسماعنا وارتبطت بتحركات على الساحات الداخلية في بعض الدول مثل الثورة الوردية في جورجيا عام 2003 وشقيقتها البرتقالية في أوكرانيا عام 2004، ويعد نظام الرئيس الشاب ساكاشفيلي في جورجيا من أبرز النماذج الأميركية الآيلة للسقوط قريبا بعد فشله الذريع في حرب القوقاز في أغسطس الماضي .
و يرى بعض المراقبين أنه من الممكن أن تغير جمهورية جورجيا رئيسها ميخائيل ساكاشفيلي الذي أصبح محط الاهتمام العالمي بعدما ظهر في شريط فيديو وهو يمضغ ربطة العنق، ليحل محله شخص آخر في وقت قريب، ويقول سفير روسيا لدى حلف شمال الأطلسي (دميتري روغوزين) في كلمة متلفزة إن أصدقاء ساكاشفيلي الأطلسيين أصيبوا بخيبة الأمل في مستقبله وإن ساكاشفيلي يدري أن واشنطن قررت تنصيب شخص آخر بدلا منه قائدا لجورجيا.
وذكر مصدر مسؤول في جورجيا أن «ساكاشفيلي ووزراءه حزموا حقائبهم استعدادا للسفر إلى خارج جورجيا» وكانوا قد حولوا «عشرات ملايين الدولارات إلى بنوك المكسيك وسويسرا». وقام وزير الدفاع الجورجي دافيد كيزيراشفيلي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية على وجه الخصوص بتحويل مبلغ 80 مليون دولار إلى «بنك التنمية الإسرائيلي».
ليس أمام ساكاشفيلي سوى الرحيل أو حتى الهروب، فقد أصبح ورقة محروقة لدى واشنطن التي ثبت لها أن اختيارها له لم يكن موفقا تماما، فهو يتصرف تصرفات لا يمكن أن يتصرفها رئيس دولة يسعى لمواجهة دولة كبيرة وقوية مثل روسيا.
وكان آخرها منذ أيام قليلة أثناء الاحتفال بالذكرى الخامسة للثورة الوردية في الثالث والعشرين من نوفمبر، والتي كان يود ساكاشفيلي أن يحتفل بها بشكل كبير فدعا لها العديد من قادة ورؤساء العالم، ولكن لم يلب دعوته سوى واحد فقط هو الرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي، بينما اعتذر حتى أقرب أصدقائه وحلفائه مثل رئيس أوكرانيا يوشينكو ورؤساء جمهوريات البلطيق، الأمر الذي جعل ساكاشفيلي يشعر بأن نهايته قد اقتربت وأن عليه الاستعداد للرحيل.
وفي الاحتفال بالثورة لم يجد ساكاشفيلي ما يقوله لشعبه سوى أن يدعوهم للصبر والانتظار، ولم يجرؤ أن يعدهم باستعادة أبخازيا و أوسيتيا الأجنبية بعد مغامرته الفاشلة التي لم تؤد فقط إلى ضياع الأمل في استعادة أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بل كادت أيضا أن تضع جورجيا نفسها تحت الاحتلال الروسي لولا حكمة القادة الروس ويقينهم بأن ساكاشفيلي لن يبقى وأن الباقي هو الشعب الجورجي الجار والصديق التاريخي، لهذا سحبت روسيا قواتها بعد أيام قليلة من الأراضي الجورجية .
لقد راهن ساكاشفيلي بكل ما لديه على واشنطن وبالتحديد على الرئيس بوش الذي وعده بالكثير ولم يف بأي وعد من وعوده ولم يكن لدى ساكاشفيلي ما يفتخر بإنجازه خلال أربعة أعوام من حكمه وبدلا من ذلك ارتفع مستوى البطالة وتفاقمت المشكلات الاجتماعية وتفشى الفقر وتدهور الاقتصاد.
الآن تستعد جورجيا لاستقبال الرئيس البديل، والذي يجمع الكثيرون على أنه سيكون المرأة الحديدية رئيسة البرلمان نينو بورجاندزة التي قادت الثورة الوردية بجانب ساكاشفيلي، وقد صرحت بورجاندزة أكثر من مرة مؤخرا بأن الرئيس ساكاشفيلي لم يعد لديه ما يقدمه لجورجيا وأن عليه الرحيل .
بورجاندزة الحليفة الكبيرة لواشنطن لا يستطيع أحد أن يحكم عليها من الآن بل يجب الانتظار حتى تجلس على مقعد الرئاسة، ولا يستبعد البعض أن تتحول بورجاندزة عن واشنطن وتقترب من موسكو مثلما فعلت قرينتها في أوكرانيا يوليا تيموشينكا، فالبقاء في كرسي الرئاسة لا تضمنه واشنطن بل يضمنه الشعب الجورجي الذي لا يريد خلافات ونزاعات مع الجارة الكبيرة روسيا، ومن يريد البقاء في الحكم عليه إرضاء الشعب.
كاتب ومحلل سياسي روسي