حضرت الأسبوع الماضي جلسة حوار بين مجموعة من المثقفين العرب ومجموعة من نظرائهم الألمان الذين تحدثوا عن دور المثقف في عالم اليوم. بدأ الحوار بتعريف المثقف، وانتهى دون أن نصل إلى تعريف واضح له. بل إنني ظننت عندما سمعت أحد التعريفات بأن المثقف هو «سوبرمان» المجتمع، فهو الذي يشكّل أفكاره، وهو الذي يضلّه أو يهديه، وهو أيضاً من يحدد توجهات المجتمع.

كان الكل يتحدث من برج عاجي، وكانت بعض كلمات المتحدثين الأفاضل، مقعّرة لا تمت لفهم الحضور بصلة. وهذه احد أسباب اتّساع الفجوة بين المثقف وبين رجل الشارع البسيط.

فإذا كان المثقف نخبوياً في تفكيره، نخبوياً في طرحه، فلن يملك المجتمع إلا أن يهمشه دون أن يشعر. فلا وجود لمجتمعات نخبوية عبر التاريخ. النخبويون هم أناس يعيشون في جماعات منعزلة عن المجتمع، يظنون أنهم أفضل منه، وأنهم يتحمّلون مسؤولية توجيهه إلى حيث تشير بوصلتهم الأيديولوجية.

إن المثقف الحقيقي هو الذي يهبط بالثقافة من النخبوية إلى العامية، فهو الذي يعيش هموم المجتمع ويحملها معه في رحلة بحثه عن الحقيقة.

المثقف الحقيقي هو الذي يبحث عن الحقيقة من أجل المعرفة، لا من أجل الحقيقة التي يعرفها مسبقاً. ليس المثقف من حفظ، ولكن المثقف من أنتج. في بعض المجتمعات المتقدمة تصغر الفجوة بين المثقف ورجل الشارع البسيط لأنهما يعيشان نفس الهموم ويمرّان في نفس الظروف، إلا أن شمولية نظرة المثقف هي التي جعلته مثقّفاً، وليست نخبويته أو أرستقراطيته من جعلته كذلك. لا يوجد في المجتمعات الغربية مصطلح «مثقف» فحتى مصطلح intellect تعني فكري.. التصنيف مرفوض عندهم، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالثقافة أو الفن.

قرأت مرة مقالاً لأحد الصحافيين الغربيين يقول فيه إنه يقرأ العديد من الصحف كل يوم، يقرأ كل عمود وكل زاوية، فمعظم كتبه ومقالاته كانت من وحي خبر صغير عن شخص بسيط. لا يستحي المثقف من السؤال، كما أنه لا يتهرّب من الإجابة. فالسؤال بالنسبة له أفق جديد، أما الإجابة فإنها الشمس التي تضيء له ذلك الأفق.

المثقف هو من تشع حياته لا من تفرقع، وهو من تكون حياته كأحد الكواكب السماوية، لا كأحد الشهب النارية.

المثقف كالمرآة التي تعكس الضوء كلّما سلّط عليها، وهو أيضاً من يعكس هوية مجتمعه ويمثّله أمام الناس. قد يستغرب البعض إذا شبّهت المثقف بالمحارب، إلا أن الفرق بينهما أن الأخير ينتهي دوره في الحياة في اللحظة التي يعيد فيها سيفه إلى غمده، وغالباً ما ينساه التاريخ إلا إذا كان القائد. أما المثقف فإن دوره يبدأ عندما يجف حبره على الورق، وإذا كان من الذين تصالحوا مع أنفسهم فإن التاريخ يفرد لهم صفحات عدة في سجلّه الطويل. كم مرة سمعنا قائلاً يقول: «انظر كيف تحدث تولستوي عن الإسلام».

ولكن، من منّا يعرف اسم قائد الجيش الإنجليزي الذي عاش في فترة شكسبير؟ بل من منّا يعرف اسم ملك إنجلترا أيام شكسبير؟

المثقف الحقيقي هو الذي يفكر بتجرّد... دون أن يخشى جموح الفكرة، ولكن، ليس المثقف من يسبح عكس التيّار دائماً ليقال عنه أنه ناقد فذّ. ليس مثقفٌ من تعدى على مقدسات الشعوب، وتطاول على معتقداتها لا لشيء إلا لتسلّط عليه الأضواء المظلمة.

صحيح أن الحرية والمعرفة وجهان لعملة واحدة، ولكن في أحيانٍ كثيرة تكون الحرية والجهل أيضاً وجهان لعملة واحدة. الفرق بين الجهل والمعرفة أن الجهل ليس حكراً على أحد، أما المعرفة فهي هبة من الله لا يمكن أن يمنحها إلا لمن سعى من أجلها، فالمعرفة لا تأتي بطريق الصدفة.

المثقف كراعي الغنم، يسرح كل يوم بأفكاره بعيداً للحصول على زاد لها، وكلّما تفرّقت تلك الأفكار، هشّ عليها بعصاه لتعود إلى الحظيرة مرة أخرى. وعلى الرغم من أنه يعلم بخطورة الرحلة، إلا أنه يقوم بذلك العمل كل يوم، لأن اليوم الذي سيتأخر فيه عن الخروج إلى المرعى، سيفقد فيه السيطرة على أغنامه... التي تعد بالنسبة له كل ما يملك.

المثقف الحقيقي هو الذي يسعى لمعرفة الحقيقة كاملة، فكما قال نيتشه: «خير لك ألا تعرف شيئاً، من أن تعرف نصف الحقيقة». فغاية المعرفة هي الوصول إلى الحقيقة. قد لا تجعلنا المعرفة سعداء، ولكنها ستجعلنا مميزين بالتأكيد.

ليس المثقف من تعلّم، ولا من حمل شهادة جامعية، ولا من قرأ وتراكمت لديه المعرفة... ولكن المثقف الحقيقي هو الذي يفكّر في كل شيء من أجل الحقيقة، ومن أجل الفكرة.

كاتب إماراتي

moc.liamg@berah.ressay