مادلين أولبرايت كانت الأولى التي تولت حقيبة الخارجية الأميركية في الفترة الرئاسية الثانية للرئيس بيل كلينتون أعقبتها كوندليزا رايس بعد أربع سنوات لتولي الحقيبة في الفترة الرئاسية الثانية للرئيس جورج بوش، وها هي هيلاري كلينتون على وشك استلام حقيبة الخارجية الأميركية بعد إعلان الرئيس المنتخب باراك أوباما عن اختيارها لهذا المنصب.

وإذا كانت كل من الأولى والثانية قد أكملتا أربع سنوات في التربع على هرم الدبلوماسية الأميركية، وهي فترة كافية لتقييم أدائهما الذي كان منسجماً ومتناغماً مع سياسات الرئيسين بيل كلينتون ثم جورج بوش، فإن هيلاري كلينتون قد لا تجد نفسها في أجواء كتلك الأجواء.

دخلت هيلاري كلينتون المعترك السياسي حديثاً مستفيدة مما حظي به زوجها من رصيد كبير في الساحة السياسية الأميركية والدولية، وهي لم تشغل منصباً رسمياً قبل حصولها على عضوية مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك في السنوات الأخيرة، وهو المنصب الذي أهلها لترشيح نفسها عن الحزب الديموقراطي لرئاسة الولايات المتحدة منافسة لباراك أوباما.

أبرز ما لديها هو طموحها الكبير وتعطشها للسلطة وشخصيتها القوية وقدرتها على العمل المتواصل وسعة دائرة معارفها وعلاقاتها مع سياسيين في مختلف دول العالم. إلا أن ذلك قد لا يكون كافياً لنجاحها في عملها القادم، فهنالك أكثر من تساؤل حول مدى ملاءمتها لهذا المنصب.

فهل هي قادرة على إعادة رسم علاقات الولايات المتحدة مع العالم بشكل فيه من العدل قدر ما فيه من التوازن، علاقات تحفظ حقوق وكرامة الشعوب ولا تضر بالمصالح الاميركية العليا؟. وهل هي مؤهلة لانتهاج سياسة تعيد ثقة العالم بالولايات المتحدة وترسم صورة جديدة لها بديلة للصورة البشعة التي رسمتها إدارة بوش ؟

فهي من قالت في واحدة من أشد عبارات النقد التي وجهتها إلى إدارة الرئيس بوش «بلادنا صارت مسخرة لحلفائنا، ولم نجد على المسرح الدولي سوى الرفض والاستنكار»، فهي ساخطة على ما ألحقه بوش ببلادها فقط وليس بما ألحقه بالآخرين.

وهل أن اختيارها لحقيبة الخارجية ينسجم مع أجندة الرئيس المنتخب أوباما ؟ وهل سيكونان ثنائياً متناغماً كما كانت أولبرايت مع كلينتون أو رايس مع بوش؟، وهل سيضعها طموحها الكبير للسلطة وقلة خبرتها في الشؤون الخارجية في مواجهة مع نائب الرئيس جوزيف بايدن الضليع بالشؤون الشرق أوسطية التي تقلق أمن إسرائيل.

إن اختيار أوباما لجوزيف بايدن كنائب له يتفق مع السياقات التي رُصدت خلال حملته الانتخابية التي بالغ أوباما في تودده إلى اللوبي الصهيوني فمن المعروف عن بايدن أنه لا يخفي انحيازه لإسرائيل وقد صرح في أكثر من مناسبة بأنه صهيوني النزعة.

إلا أن اختيار هيلاري لحقيبة الخارجية يستوجب التوقف، فالمعروف أن السياسة الخارجية كانت أبرز نقاط الخلاف بين أوباما وهيلاري كلينتون خلال حملتهما الانتخابية فقد كانت كلنتن من المؤيدين للحرب على العراق في حين وقف أوباما ضد هذه الحرب منذ البداية.

كما تعرض أوباما خلال حملته الانتخابية التنافسية معها إلى أقسى عبارات النقد منها لإعلانه رغبته في الدخول في حوار مع إيران دون شروط مسبقة.فحين يضع الرئيس أحد المنافسين الأشداء له في موقع هام جداً في إدارته فقد تكون عواقب ذلك في غير صالحة، فنجاح رئيس لدولة عظمى كالولايات المتحدة يرتبط إلى حد كبير بدقة اختياره لحقيبة الخارجية.

صحيح أن الاثنين ينتميان إلى الحزب الديموقراطي وصحيح أيضاً ان في هذا الحزب من يمكن تصنيفه في خانة اليمين ومنهم من يمكن أن يوضعوا في خانة اليسار أو خانة الوسط، كما أن خانة الوسط نفسها لم تسلم من التقسيم فهناك من يتكلم عن يسار الوسط أو يمينه.

اليسار مصطلح يرمز إلى الراديكالية في التفكير والجنوح إلى رفض ما هو قائم من أوضاع والدعوة إلى التغيير، ومن هذا المنطلق فإن الرئيس المنتخب أوباما يعتبر في خانة اليسار داخل الحزب الديموقراطي بحكم أجندة التغيير التي بشر بها في حملته الانتخابية، إلا أن هيلاري كلينتون لا يمكن إلا وضعها في خانة اليمين أو في أحسن الحالات يمين الوسط بحكم أجندة حملتها الانتخابية كذلك. فقد حملت هذه السيدة منذ مثولها على المسرح السياسي عصا غليظة للتهديد فهي في مواقفها من القضايا الخارجية الملتهبة تحدثت وصرحت وكأنها واحدة من الطاقم الذي يحيط بالرئيس الجمهوري جورج بوش.

كما أنها لا تمتلك خبرة بالشؤون الخارجية فالزيارات التي قامت بها نيابة عن زوجها أبان فترة رئاسته لمدة ثماني سنوات لم تكن لأغراض سياسية أو دبلوماسية بل كانت زيارات بروتوكولية حاولت أن توظف بعضها في حملتها الانتخابية كمؤشر على خبرتها في الشؤون الدولية.

فقد ادعت بأنها تعرضت إلى نيران القناصة عند زيارتها للبوسنة عام 1996 لإفشال مهمتها ( تراجعت لاحقاً عن هذا الإدعاء في المناظرة التلفزيونية التي جرت بينها وبين أوباما على شبكة أيه بي سي نيوز)، في حين أن الفيديو الذي وثق تلك الزيارة أظهر لقاءها مع أطفال البوسنة.

وكان إدعاؤها هذا مدعاة لسخرية أوباما الذي تساءل عن أية خبرة في السياسة الخارجية تتحدث السيدة كلينتون، فهل كانت تعالج إحدى الأزمات الدولية ؟ أم كانت بصدد مناقشة وعقد اتفاقيات أو معاهدات؟

وفي ضوء ما تقدم ما الذي وراء اختيار هيلاري كلنتن لحقيبة الخارجية الأميركية، أهي صفقة أنضجها الحزب الديموقراطي لتعزيز وحدته التي تعرضت للاهتزاز بسبب التنافس الشرس على الترشيح للرئاسة بين كلنتن وأوباما، أم هو تخلي أوباما عن بعض أجندته بفعل الضغوط التي تعرض لها من داخل الحزب الديمقراطي الذي تتمتع فيه عائلة كلينتون بنفوذ كبير، أم رغبة الرئيس المنتخب بإيداع ملف الخارجية لدى الرئيس الأسبق بيل كلينتون الذي يمتلك خبرة واسعة في الشؤون الدولية والذي سيكون حاضراً في شخص هيلاري في أروقة الخارجية الأميركية وهو ما يحتاجه أوباما ليتفرغ لإدارة ملف الاقتصاد الأكثر أهمية بالنسبة لعشرات الملايين من الأميركيين الذين أتوا به إلى البيت الأبيض.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae