من الواضح أن سؤال الأمن الأوروبي ليس شأنا أوروبيا فقط، ولا حتى شأن أوروبي ـ روسي، باعتبار أن روسيا جزء لا يتجزأ من أوروبا رغم امتدادها الكبير في القارة الأسيوية، إلا أن هناك طرف ثالث ليس له وجود جغرافي في القارة الأوروبية لكنه لا يمكن استبعاده من هذه القضية، وهو الولايات المتحدة الأميركية التي تربطها بأوروبا منذ الحرب العالمية الثانية اتفاقات وتحالفات أمنية وعسكرية كبيرة.

وبالتالي فمن الصعب تقرير مصير الأمن الأوروبي بمعزل عن واشنطن، وإن كانت روسيا تحاول ذلك معتمدة على رغبة الكثير من الدول الأوروبية في الاستقلال الأمني عن واشنطن، ولهذا نجد الأوروبيين يسعون الآن لإشراك روسيا في هذه القضية ويعدون لعقد معاهدة أمن أوروبي شاملة تكون روسيا طرفا أساسيا فيها، وهذا لا يعني استبعاد واشنطن، بل ستشارك واشنطن في هذه المعاهدة بالقطع.

ولكن بشكل جديد يتوافق مع وجود روسيا التي كانت من قبل ليست فقط طرفا مستبعداً، بل عدو أساسي في زمن الحقبة الشيوعية تشكل تهديدا لأمن أوروبا، أما الآن فقد تغيرت الأوضاع وأصبحت العلاقات بين موسكو ودول أوروبا ربما أقوى وأفضل بكثير من علاقاتها ببعض جيرانها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

وقد عرض الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف في يونيو من هذه السنة فكرة توقيع معاهدة جديدة حول الأمن الأوروبي. وحظيت هذه المبادرة بتأييد عدد من البلدان الأوروبية، وأعلن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين منذ أيام أن روسيا تقترح في المعاهدة الجديدة حول الأمن الأوروبي العام تثبيت مواصفات رقابة على الأسلحة ومبادئ وحدة فضاء الأمن المشترك، وطرح بوتين ثلاثة بنود بمثابة شروط من روسيا لتوقيع هذه المعاهدة.

وهي: عدم ضمان الأمن الخاص على حساب أمن الآخرين، وعدم السماح في أطر كافة التحالفات والأحلاف العسكرية بالإجراءات التي بوسعها إضعاف وحدة الفضاء الأمني المشترك، وثالثا ـ عدم السماح بأن يلحق تطوير وتوسيع الأحلاف العسكرية ضررا بأطراف المعاهدة الآخرين.

و من الواضح أن بوتين يقصد بهذه الشروط واشنطن وبعض الدول الأوروبية الصغيرة التي تجري في فلكها، مثل بولندا ودول بحر البلطيق الذين يؤيدون نشر الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا وتوسعات حلف الناتو شرقا تجاه روسيا، ويرى بوتين أن أوروبا نفسها ستخسر بالدرجة الأولى من نشر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أراضي البلدان الأوروبية.

وقال بوتين إنه «ربما يكون هناك من سيربح من نشر الدرع الصاروخي. ولكن من المؤكد أن العالم بأسره، وبالمرتبة الأولى أوروبا، سيكونون خاسرين».

وأكد بوتين على أنه «مهما كانت الحجج التي يعرضها الشركاء الأميركان، فإن هذا المشروع موجه ضد قدرات روسيا الاستراتيجية، ولا يحق لنا عدم الرد عليه بصورة مكافئة».

ومن جانبه قال الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف للأوروبيين في قمة نيس الماضية «يتعين علينا جميعا، قبل توقيع الاتفاقية الشاملة الخاصة لصيانة الأمن الأوروبي، الامتناع عن الخطوات الأحادية الجانب التي تؤثر على هذا الأمن». وأضاف: «إذا كنا جميعا نعيش في بيت واحد، فلنلتق ونتفق. وفي هذا بالذات، يكمن جوهر الاتفاقية الجديدة هذه حول الأمن الأوروبي العام».

وقد سبق أن صرح الرئيس الروسي ميدفيديف في خطابه أمام البرلمان بأن روسيا ستنشر منظومة صواريخ «اسكندر» الاستراتيجية في إقليم كالينينغراد الروسي الواقع في قلب أوروبا إذا صممت واشنطن على نشر درعها الصاروخي في شرق أوروبا.

وهو الأمر الذي أثار قلق شديد لدى الأوروبيين، وبات واضحا أن خطط ومشاريع واشنطن في القارة الأوروبية لا تروق للأوربيين لتعارضها الواضح مع أمنهم، ولهذا يسعى الأوروبيون إلى الإسراع بتنفيذ معاهدة الأمن الأوروبي مع روسيا حتى تصبح ملزمة للجميع لتعوق المشاريع العسكرية الأميركية في القارة الأوروبية.

كاتب ومحلل سياسي روسي

Luon1935@kin.ru