حينما يلتقي مفكرو ومثقفو العالم من كل الاتجاهات تحت سقف واحد في حوار صريح وشفاف ومتجرد تصبح اللغة الإنسانية الصرفة هي سفينة الإبحار إلى كل الهموم، وكل المؤرقات وكل الأحلام الوردية وكل الفرح وكل المستقبل. قليلة ونادرة هي الملتقيات التي تجد نفسها تعمل ضمن هذا النوع من المناخ، ونادرة هي تجمعات مثقفين نوعيين، أو موسمية أو على فترات متباعدة لا تكاد ينضم عقدها حتى ينفك ويتلاشى ناتجها بفعل الأيام، وفعل الصدفة، وفعل التباعد.

مثل هذه اللقاءات مطلوبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، حيث ينشق العالم إلى قوى متصارعة تتلبسها عفاريت المصالح الخاصة، وأنانيات الايدولوجيا وطغيان القوة وازدياد البطش والعنف وتسيد آلات التخريب والدمار.. مطلوبة مثل هذه الملتقيات على مستوى الفكر والفلسفة والثقافة النوعية الجادة المتعمقة والملامسة لواقع ومصير الإنسان الذي يعيش متاهات العصر الحديث وفوراته الجنونية.

مؤسسة محمد بن راشد ومنذ عام أعدت لملتقي الحوار العربي الألماني والذي انطلقت فعالياته الأسبوع الماضي، حيث جمعت دبي نخبة من المثقفين والمفكرين والمبدعين الألمان ومن بينهم مسؤولون في الشؤون الثقافية ونخبة من رواد الفكر والأدب العربيين المعاصرين..

هذا اللقاء النادر، جمع تحت سقف واحد وجوهاً كانت تبحث عن فرصة لقاء بعضها البعض من اجل تعاط عالمي مشترك مع جملة من هموم إنسانية ضرورية وملحة مرادها الحقيقي تجسير العلاقات والجهود والطاقات الخلاقة وصولاً إلى محطات التقاء ايجابي ومتجاذب لا متنافر لتدارس فجوات فهم الآخر ونفث الهواء على أرفف الفكر لكي تنجلي صور المزيد من الحقائق.

هذا الملتقى وأمثاله النادرة هو الحاجة الضرورية اليوم من اجل ثقافات لا تتصادم، بل تتقابل لتتلاقح، وتنتج فكراً خيراً يفيد ويسهم في حضارة الإنسان الناشد للحب والسلم والعلم.

وجوه وقامات وأسماء ألمانية وعربية احتفت بها دبي في مناخ من الشفافية وفي حوار فكري وتثاقف ايجابي، وهذا ما ظهر في الجلسات التي تناوب فيها الحوار بين الجانبين وأسفر عن ملامح لغة إنسانية مشتركة بعيدة عن الأهواء، وبعيدة عن التشنجات.

مثل هذه الملتقيات هي الكفيلة اليوم بإسقاط نظريات سوداوية تتحدث عن نهاية التاريخ وعن صدام الحضارات، ومنطق فرض القوة وهيمنة القطب الواحد كخلاص للبشرية.. وهي الكفيلة بتفعيل دور الحضارة العربية وحضورها بقوة بمنجزات ماضيها وطموحات مستقبلها في الحوار الإنساني العام.

نحن كعرب نحتاج كثيراً لمثل هذه الملتقيات ليس تلبية لدعوات الانفتاح على الآخر، ولكن من اجل أن نكون فاعلين ومؤثرين في انجاز المرحلة الحاضرة في سيرة التاريخ، ومن اجل أن يعلو صوت مفكرنا ومثقفنا النوعي العربي وينبري من تحت غطاء الستر والهامش ليكون في الصدارة.

mhalyan@albayan.ae