أعترف للقارئ بأنني في الشهور الأولى من معركة انتخابات الرئاسة الأميركية، كنت موقنا بأن باراك أوباما لا يمكن أن ينجح. لقد بدا لي مجرد ترشيحه أمراً غريباً ومدهشاً لعدة أمور. كانت هناك أولا مشكلة اللون.
فالمجتمع الأميركي مهما استخدم عبارات براقة عن المساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان، يكمن في أعماقه تحيز دفين ضد السود، ولم يستطع بعد مرور قرن ونصف على انتصار إبراهام لنكولن في تحرير العبيد، أن يتخلص من الشعور بأن الأسود يمكن أن يقوم بخدمة البيض ولكن العكس غير مقبول. فكيف برئيس أسود يحكم البيض والسود على السواء؟
ولكن هناك أيضاً المقدرة المالية. لقد كتب أحد الكتّاب الأميركيين في وصف الديمقراطية الأميركية فقال «انها أفضل نظام سياسي يمكن أن تشتريه بالنقود». والجميع يعلم أن النجاح في انتخابات الرئاسة الأميركية يحتاج إلى إنفاق ملايين كثيرة من الدولارات، إذ تلعب وسائل الإعلام فيها دورا أساسيا، والناخب الأميركى يلعب التليفزيون بعقله وعواطفه أكثر مما يلعب بالعقول والعواطف في أي بلد آخر.
والبرامج والدعاية التليفزيونية مكلفة، كما أن الصحف السيارة، ذات التأثير على الرأي العام، مكلفة أيضا. والأميركيون لا يكفي معهم الكلام، بل لابد من المناظر والجلبة، وحشد الألوف من الناس في مكان واحد، وسط مظاهر البذخ وعزف الموسيقى، واستخدام وجوه الحسان في الترويج لمرشح دون آخر، وتوزيع الهدايا التي تحمل اسم المرشح المراد ترويج اسمه.
بل وقد يتطلب الأمر نشر فضائح عن المرشح المنافس، تستخدم لتلويث سمعته، بالحق أو بالباطل، وهذا أيضاً يحتاج إلى دعاية وإنفاق.. الخ.
الانتخابات في أميركا ليست إذن منافسة بين برامج سياسية ومصارعة الحجة بالحجة، بقدر ما هي إثارة للحماس وتهييج العواطف لصالح شخص دون آخر.
هذه الأموال الطائلة التي يحتاج إليها من يرشح نفسه للرئاسة الأميركية لا يمكن أن يأتي معظمها مما يملكه المرشح نفسه، بل ولا حتى من صغار المتبرعين المؤيدين له، بل لابد أن تعبّأ من الشركات والمؤسسات الكبرى ذات المصلحة في أن ينجح هذا المرشح دون ذاك.
فمن أين لباراك أوباما الحصول على تأييد هذه الشركات والمؤسسات المالية التي يسيطر على معظمها يمينيون متطرفون، ليس لديهم فقط تحيز طبيعي لصالح المرشح الأبيض ضد الأسود، بل وينتصرون لسياسات أكثر عدوانية في الخارج، وأقل تعاطفا مع ذوي الدخل المحدود في الداخل، عما يبدو أن أوباما ينتصر له ويدعو إليه؟
لهذه الأسباب اعتبرت اشتراك أوباما في الانتخابات مجرد مثل من الأمثلة على ضرورة تهيئة »الديكور» اللازم لأي انتخابات رئاسية، إذ لابد في ديمقراطية من هذا النوع، من وجود منافسة تجعل الناس يظنون أن هناك عملية اختيار حقيقية، بينما الحقيقة أن ما يقرر النتيجة النهائية أشياء أخرى غير رغبات أو مصالح غالبية الناس.
هكذا كان مجرى تفكيري في البداية. ولكن مع استمرار تقدم أوباما يوما بعد يوم في غمار الحملة الانتخابية، فيهزم هيلاري كلينتون أولا في التنافس على زعامة الحزب الديمقراطي، ثم يكسب الرأي العام في ولاية بعد أخرى ضد المرشح الجمهوري، بدا الأمر لي في صورة مختلفة تماما، ومع قرب المعركة من نهايتها بدت فرصة أوباما في الفوز أكبر بكثير من فرصة منافسه.
هنا بدأت أتساءل عما يمكن أن تكون الأسباب الحقيقية لهذا التحول في المشهد السياسى الأميركي. فلما فاز أوباما بالفعل، انهالت التعليقات العربية عما يمكن أن يسفر عنه هذا النجاح، فيما يتعلق بموقف أميركا من القضايا العربية. وانقسم المعلقون العرب (كما ذكرت في المقال السابق) بين متفائل جدا ومتشائم جدا.
وقد بنى معظم المتفائلين والمتشائمون موقفهم على اعتبارات تتعلق إما بشخصية الرئيس الجديد واتجاهاته السياسية، أو بتأثير أصحاب المصالح الكبرى، الاقتصادية والسياسية والعسكرية في الولايات المتحدة. فبينما أكد المتفائلون على صفات أوباما الشخصية، أكدّ المتشائمون على تأثير هذه المصالح الكبرى.
وأنا أميل عادة إلى تغليب أثر هذه المصالح الكبرى على اثر الصفات الشخصية للرئيس، أيّ رئيس، خاصة إذا كان رئيسا لدولة مهمة، ناهيك عن رئيس أقوى دولة في العالم. فهنا لابد أن تلعب المصالح الكبرى دورا أهم من دور الصفات الشخصية.
ولكني ألاحظ في هذه الحالة التي نحن بصددها، حالة فوز أوباما بالرئاسة الأميركية، شيئا جديدا يستحق الانتباه، يتجاوز صفات أوباما الشخصية من ناحية، كما يتجاوز ما يريد تحقيقه أصحاب المصالح الكبرى، من ناحية أخرى.
وأقصد بهذا الشيء الجديد ما طرأ في السنوات الأخيرة من تغير مهم في مركز أميركا في العالم. إن جميع الدلائل تشير إلى أن المركز النسبي للاقتصاد الأميركي في الاقتصاد العالمي آخذ في التدهور منذ فترة ليست بالقصيرة.
والتدهور في المركز الاقتصادي لابد أن يصحبه، عاجلا أو آجلا، تدهور في المركز السياسي والعسكري. كما أن من الواضح منذ بداية القرن الواحد والعشرين، أن المحاولات الأميركية لاستخدام تفوقها العسكري لتحسين هذا المركز النسبي، قد باءت بالفشل، بمغامراتها الفاشلة في الشرق الأوسط، وتهديداتها الفاشلة أيضاً للقوى الكبرى الأخرى في آسيا، مع تضعضع مركزها السياسي في أميركا اللاتينية. ثم جاءت الأزمة المالية الأخيرة فلم تزد المركز الاقتصادي (والسياسي) الأميركي إلا سوءا.
إن من الممكن جدا أن يكون نجاح باراك أوباما هو نفسه نتيجة لهذا التدهور النسبي في العالم، وكأن الوقت قد حان لإعادة النظر، وللرجوع عن سياسات فاشلة ومحاولة السير في طريق جديد.
قد يكمن أهم أمل يمكن أن يعلقه العرب على هذا التغير المهم في صفات الرئيس الأميركي، في الأمل الآتي: وهو أن يكون هذا التغير في صفات الرئيس ليس بالضبط سببا لتغيير موقف أميركا من القضايا العربية، بل نتيجة لظروف جديدة تحتم الآن أن تغير أميركا من موقفها إزاء العرب.
كاتب مصري
