أثار هذا التصاعد الكبير لعمليات القرصنة الصومالية في خليج عدن وبحر العرب ضد السفن المارة، التساؤل حول أسباب هذه الظاهرة وتضخمها السريع، والآليات الممكنة لمواجهتها في الأجلين القصير والطويل، والحقيقة أن معظم الرؤى تقول إن تفكك الدولة الصومالية، جعل أرض هذا البلد المنكوب بصراعات القبائل وأمراء الحرب، مرتعا لكل أنواع الخارجين على القانون ولكل أشكال التطرف الجنائي والديني.

وضمن الظواهر الإجرامية تنامت عمليات السطو على السفن الصغيرة التي تعمل في مجال الصيد في منطقة بحر العرب وخليج عدن من قبل قراصنة محترفين أو عسكريين صوماليين سابقين كانوا ضمن القوات البحرية الصومالية.

والتي لم تتم مواجهتها بأي ردع إقليمي أو دولي الأمر الذي أغراهم بالتوسع ووفر لهم الأموال الضرورية لتوسيع نطاق أعمالهم وتطويرها وشراء المعدات المتطورة الضرورية لها، كما أن الفقر المدقع الذي انحدر إليه شعب الصومال في غياب الدولة وفي غيبة أي عملية منظمة للتنمية الاقتصادية وللضمان الاجتماعي، جعلت المجتمع الصومالي مستعدا لحضانة المجموعات الإجرامية عسى أن يناله من عائداتها شيء.

وعلى الرغم من أن عمليات القرصنة التي تقع في هذه المنطقة تقل عن40% من عمليات القرصنة البحرية العالمية، إلا أن الاهتمام الإعلامي العالمي بها وحدها، يوجد تصورا عالميا بأن هذه المنطقة هي المصابة وحدها بعمليات القرصنة التي تعتبر نوعا من الجريمة الإرهابية المنظمة المدمرة لسلامة وأمان النقل البحري السلمي والتي تستهدف ابتزاز الدول والشركات للحصول على أموال طائلة بدون وجه حق وبصورة خارجة على القانون.

ولأن السفن المتجهة شمالا إلى قناة السويس لابد أن تمر عبر خليج عدن إذا كانت قادمة من منطقة الخليج العربي، أو من شرق وجنوب شرق وجنوب آسيا، أو تمر عبر البحر العربي ومن بعده خليج عدن إذا كانت قادمة من شرق إفريقيا وجنوبها.

فإن حركة القرصنة الصومالية المتصاعدة في هذين الممرين الملاحيين المؤديين إلى قناة السويس، قد خلقت مخاوف حقيقية من تأثير هذه القرصنة على أمن السفن المتجهة للقناة على نطاق أوسع بصورة تؤدي إلى الإضرار بهذا الممر الملاحي الشديد الحيوية لحركة التجارة العالمية حسبما يرى الخبير الاقتصادي المصري احمد السيد النجار.

وهناك من يضيف إلى أسباب الظاهرة إضافة إلى تفكك الدولة الصومالية سببا آخر يتمثل في عدم وجود منظومة أمنية جماعية في المنطقة تضم الدول التي يعتمد جزء من اقتصادها على هذا الممر المائي الاستراتيجي وعلى رأسها كل من مصر والمملكة العربية السعودية وكل دول الخليج العربي واليمن وغيرها.

فضلا عن عدم اهتمام الدول التي تمر سفنها من هذا الممر بأمن منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما يعني أن البحث عن تأسيس هذه المنظومة قد يكون هو أول طرق مواجهة هذه الظاهرة الدولية الخطيرة.

فوفقا لمتوسطات أرقام التسعينات، فإنه يمر عبر البحر الأحمر حوالي 325 مليون طُن من البضائع و10% من إجمالي الشّحنات البحرية العالمية سنويا.

كما ارتفع عدد ناقلات البترول التي تمُر سنويا في قناة السويس إلى 21 ألف ناقلة، كما زادت كميات البترول الخام التي تتدفّق عبر الأنابيب إلى البحر الأحمر بشكل هائل. وأدّت التوترات المسلحة في الخليج منذ بداية التسعينات إلى كثافة غير معتادة في مرور القِطع العسكرية البحرية عبر مياه البحر الأحمر.

الأمر الذي يعطى أهمية كبرى من الناحية التجارية والإستراتيجية للمنطقة التي يعمل بها القراصنة الصوماليون، وهو ما يؤكد ضرورة البحث عن تعاون إقليمي بغطاء دولي للتصدي لهذا الخطر خاصة في ظل أزمة مالية عالمية لابد وان تتأثر بها الدول التي تأثرت من هجمات القرصنة بما يجعل من تأثرها مضاعفا.

والحاصل أن الحل المطروح من اجل التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة هي حلول مؤقتة وعلى رأسها أن ترسل الدول الغربية التي تتأثر سفنها أو اقتصادها وتجارتها بظاهرة القرصنة قوات بحرية مقيمة في المنطقة لحماية سفنها.

وهذا الحل يمكن أن يكون ناجحا فقط على المدى القصير لكنه لن يقضي على الظاهرة ولابد لنجاحه من أن يكون بالتنسيق مع دول المنطقة وهي كثيرة الأمر الذي يعيدنا إلى أصل الموضوع وهو منظومة الأمن الجماعية في جنوب البحر الأحمر.

وهذا الحل لن يكون ناجعا من دون البحث عن سبل لاستقرار الدولة الصومالية فمنذ بداية تسعينات القرن الماضي وهي تعاني من عدم استقرار وفوضى وتفكك ولم يهتم المجتمع الدولي بالبحث عن وسائل لحل هذا التفكك بل هناك من رأى أن الدول الكبرى رأت أن هذا الأمر يمكن أن يحقق مصالح لحلفائها الإقليميين، بما أدى إلى تنامي الظاهرة التي أنتجت ظاهرة أخرى هي القرصنة. وهو ما يعني أن علاج الفرع وهو القرصنة يتطلب علاج الأصل وهو أزمة الدولة الصومالية.

وحاليا هناك تحركات تقوم بها اليمن لابد من مناقشتها إقليميا ودوليا على أن يكون تطبيقها بالتزامن مع البحث عن حل لأزمة تفكك الصومال وعدم استقراره، وهذه التحركات يجملها الدكتور حسن أبو طالب الخبير في الشؤون اليمنية في محاولة إقناع عدد من الدول العربية الرئيسية المطِلة على البحر الأحمر، بالتعاون الجماعي لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

فضلا عن اتِّخاذ عدد من الإجراءات البحرية في حدود الإمكانيات اليمنية المُتاحة، كنشر 1000 جندي من خفر السواحل و16 زورقا حربيا مجهّزا بمختلف المُعدّات البحرية العسكرية في خليج عدن وباب المندب، وتكثيف الدوريات الأمنية على مدار الساعة، كما أعلنت الحكومة اليمنية عن ترتيبات لإنشاء أربعة مراكز إقليمية لمكافحة القرصَنة في كل من صنعاء وعدن والحديدة والمُكَلا، ستزوّد بالإمكانيات اللازمة.

كاتب مصري

srgany@hotmail.com