أمضت الإمبراطورية الرومانية زهاء مئة عام على طريق الانحدار والتصدع والعجاف الحضاري، قبل أن تنشطر إلى قسمين شرقي وغربي، ويغيب نجم سطوتها وسيطرتها العالمية.

وقضت السلطنة العثمانية نصف عمرها وهي تقاوم عوامل الاضمحلال والانهيار، ورغم تكالب الأمم الأوروبية عليها وتنافسها الممتد على وراثة تركتها إلا أن سقوطها الأخير احتاج إلى حرب عالمية طاحنة ... وبدورها، ظلت إمبراطورية التاج البريطاني، التي لا تغرب الشمس عنها، عصية على الانكسار والانكماش ولملمة انتشارها الاستعماري الممتد لأكثر من ثلاثين عاماً بعد الحرب العالمية الثانية.

ومع أن بريطانيا وفرنسا غادرتا زمن العظمة والتحكم في موازين القوى الدولية منذ ستين عاماً أو يزيدون، إلا أن آثارهما الحضارية وإشعاعهما على هذه الموازين مازالا منظورين. وفي الوقت الراهن، تجتهد هاتان الدولتان القديمتان في التشبث بحلمهما الإمبراطوري من خلال آليات عابرة للقوميات والشعوب كمجموعتي دول الانجلوفون والفرانكوفون، فضلاً عن دورهما متعدد القدرات والطاقات في جهات الدنيا الأربع عبر الاتحاد الأوروبي.

القصد أن القوى ذات السلطان الواسع؛ المؤثرة على نحو فارق في المشهد العالمي، لا تأفل أو تنزوي ويذهب ريحها أو تسقط عمودياً بين عشية تاريخية وضحاها.. ومن المؤكد أنها لا تقوم وتزدهر بشكل فجائي أيضا. ونحسب أن القطب الأميركي بحيثيات قوته غير المسبوقة لن يكون بدعاً من هذه القاعدة.

نعلم أن الولايات المتحدة تعاني من إشكاليات كثيرة، بعضها بالغ التعقيد: انتشار عسكري هائل مصحوب بحروب غير مضمونة النتائج؛ منافسون أشداء في الأسواق الدولية السياسية والاقتصادية والعلمية؛ أزمة مالية طاحنة أحالت الدولة العظمي من دائنة إلى مدينة؛ نضوب في الإبداع الإيديولوجي والفكري جعل الدولة شبه رهينة لسنوات في قبضة نخبة حاكمة مصابة بالضحالة العقلية والتعصب السياسي بما أدى إلى تشويه صورتها إلى أبعد الحدود..

هذا كله إلى جانب استشعار سواد الأميركيين أنفسهم بأنهم أصبحوا أقل أمناً وإحساساً بالطمأنينة في عقر دارهم، وأنهم يتعرضون عموماً لخسائر في الأنفس ونقص في الأموال والثمرات في معارك خارجية غر واضحة الأهداف والآفاق . لكننا مع ذلك ننحاز إلى المتحفظين من المغالاة في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أمست آيلة وشيكا لفقدان زعامتها على قمة النظام الدولي ومقامها الحضاري المتميز.

بصيغة أخرى، لسنا مع المرجفين بقرب سقوط القطب الأميركي رأسياً في بضع سنين، ذلك لأن زعماً كهذا يتعارض من ناحية مع سنن صعود وأفوال معظم القوى العظمى، ولأنه من ناحية أخرى، وهذا هو الأهم، لا يستند إلى معطيات صارخة الدلالة.

ضمن القراءات الموحية في إطار هذا التصور، ما طرحه روبرت كاجان، الباحث بمؤسسة كارينجي للسلام الدولي، في الواشنطن بوست (30/10/2008)، من أن القرائن على انحسار قوة الولايات المتحدة ضعيفة..!! فحصتها من الاقتصاد العالمي تراوح منذ 2007 حول 21 في المئة.

وكانت 23 في المئة عام 1990 و22 في المئة عام 1980 و24 في المئة عام 1960 أي أنها ثابتة تقريباً على مدار خمسة عقود».

ويعترف كاجان بإلحاح الأزمة المالية الأميركية المتفاعلة راهناً، غير أنه يرى أن هذه الوضعية ليست قاصرة على الاقتصاد الأميركي الذي يتوقع له أن يكون أول الخارجين من أحابيلها. وهو يذهب إلى أنه «لا نظير للقوة العسكرية الأميركية أو منافس لها في عالم اليوم وتفوق وتيرة تطوير الجيش الأميركي وتيرتي تطوير الجيشين الروسي والصيني رغم مكانتهما إقليمياً».

وينفي كيجان أن تكون سمعة الولايات المتحدة وصورتها حالياً أسوأ مما كانتا عليه خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إبان حرب فيتنام أو عند اغتيال جون كينيدي ومارتن لوثر كينج، وارتكاب مجزرة ماي لاي وفضيحة ووترجيت..

ويعتقد أن الولايات المتحدة سبق لها المرور بفترات عصيبة وأفلتت من جرائرها.. فبين 1945 و1965 مثلاً بلغ المد الشيوعي أوجه في الصين واختبر السوفييت القنبلة الهيدروجينية، واجتاحت كوريا الشمالية شقيقتها الجنوبية وخرجت تظاهرات مليونية أوروبية تندد بالسياسة الأميركية. فكأن مظاهر الفشل لهذه السياسة والسخط عالمياً منها أمور غير مستجدة.

إلى ذلك، لا يشارك كيجان القائلين بأن الحرب على العراق قوضت المكانة الأميركية. ويستشهد على ذلك بملاحظة أن الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط لم يتغير».. فحلفاؤها القدامى لم يعادوها. كما أن حربها على العراق لم تترك آثاراً كالتي عرفتها حقبة الخمسينيات والستينيات.. حين اكتسحت موجة القومية العالم العربي.

وأطيح بحكومات موالية للغرب وبسط الاتحاد السوفييتي نفوذه في المنطقة في عهد قيادة جمال عبد الناصر، وخسرت واشنطن حليفاً استراتيجياً بسقوط شاه إيران ,1979. إن شيئاً من ذلك لم يحدث بعد حرب العراق». ملاحظات كيجان ومقارناته تبدو شديدة الواقعية.

وربما كانت محبطة أو حتى صادمة لأصحاب التفكير الرغبوي بسرعة زوال كابوس الانفراد الأميركي بقمة النظام الدولي.. هؤلاء الذين ينتظرون الفرج من مدخل انكماش القوة الأميركية واعتكافها وانكفائها وليس عبر تغيير أنماط تعاطيهم البائسة مع مشكلاتهم وقضاياهم.

والشاهد في تقديرنا أن معضلة الولايات المتحدة مع قضية الريادة الدولية هي من طبيعة إدارية. فالقطب الأميركي لا تنقصه مكونات استمرارية هذه الريادة، وإنما يعاني من خلل جسيم في كيفية توظيفها وهو يتعامل مع عوالم الآخرين. وإذا ما أفلح باراك أوباما وبطانته في إصلاح هذا العيب، فسوف يذكره التاريخ بصفته بطل إعادة تقعيد الولايات المتحدة على قمة العالم وليس الرجل ذا الخلفية الملونة الأفريقية الذي أسدل الستار على هذا الموقع الفريد.. ونظن أن أوباما سيقلب كل حجر ليتبوأ الصفة الأولى.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com