أظن أن معظم العرب يتمنون أن تمتلك سوريا مفاعلاً نووياً سواء كان للأغراض السلمية أم العسكرية، وأن تستطيع تخصيب اليورانيوم بنسب منخفضة أو مرتفعة، وكسر المحرمات التي فرضتها الولايات المتحدة وبعض أصدقائها على العرب وتجاهلت تطور الصناعات النووية العسكرية الإسرائيلية وامتلاكها أكثر من مئتي رأس نووي، وأعتقد أن امتلاك سوريا لمثل هذه الصناعة ـ لو حدث ـ سيكون مجال فخر واعتزاز لدى معظم العرب، ولا يشكل بأي حال جريمة يحتاج مرتكبها للتستر خوفاً من العقوبات.

وحسب أي معيار فللعرب مثل غيرهم الحق بالحصول على التقنية النووية السلمية، ومثل أعدائهم الحصول على التقنية النووية العسكرية، ومثلما يفرض الغرب الأميركي وتابعه الأوروبي على العالم نظام العولمة الاقتصادية والثقافية والقيمية ونظام التجارة العالمية وغيرها فلماذا لا يقبل بالعولمة النووية أم (أن الشمس شيء داخل الحدود والشمس شيء آخر في خارج الحدود؟) فيسمح لنفسه ولحلفائه وأصدقائه ما يمنعه عن غيرهم، ويكيل فعلاً بمكيالين فيساعد البعض على القيام بعمل ويعاقب البعض الآخر إن قام بهذا العمل!

رغم التمني الصادق بامتلاك سوريا للصناعة النووية فإن الواقع لا يؤكد ذلك ولا يشير إليه، وما دامت الوكالة الدولية للطاقة النووية والولايات المتحدة وغيرهما لم تأت بدليل واحد يثبت ذلك فإن الأمر يقع إذن في نطاق الاستدلال والاستنتاج المنطقيين.

وهذان المعياران يثبتان إذا ما استخدما أن سوريا ما زالت بعيدة عن السير في الطريق المؤدي إلى نادي الدول النووية، وأن الاتهامات الأمريكية والإسرائيلية هي اتهامات باطلة تعتمد على أدلة مختلقة وأن تقرير الوكالة الدولية ما هو إلا شبهات يصعب إثباتها.

وإن كان للوكالة الحق في التحقيق بمدى صحتها والعمل على تأكيدها أو نفيها فليس لها الحق بمحاولة افتعال أدلة ليست بأدلة وانتقاء قرائن من هنا وهناك وربطها بعضها مع البعض الآخر لإنشاء قصة منها قد تفتح أبواباً لإقلاق سوريا وإيقاع الضرر بها وقطع الطريق عليها لتطوير قدراتها التقنية في مجال الصناعات النووية للأغراض السلمية.

كما حصل في اجتماع حكام الوكالة الدولية في الأسبوع الماضي عند مناقشته لعدة مشاريع اتفاقات بين سوريا والوكالة، اعترض عليها ممثلو الدول الغربية في مجلس حكام الوكالة، رغم نفي محمد البرادعي التهم الموجهة إلى سوريا وتأكيده على أن سوريا والدول العربية لها الحق بالاستفادة من إمكانيات الوكالة الدولية ومساعداتها.

تحتاج الصناعات النووية (سواء كانت لأهداف سلمية أم عسكرية) إلى توفر جملة شروط مالية وعلمية وبشرية، فيشترط في الصناعات العسكرية مثلاً، أن لا يكون لها بديل من الأسلحة التقليدية سواء كانت للدفاع الوطني أم لشن الهجوم، والشروط المشار إليها غير متوفرة في سوريا ولا حاجة لها للسلاح النووي للدفاع أو للهجوم.

وفي التفصيل لا تمتلك سوريا الأموال الكافية لإقامة الصناعات النووية ولا تستطيع أن تضع ميزانيتها تحت عبء كلفة مثل هذه الصناعات خاصة بعد انقطاع المساعدات العربية لها منذ عقدين، ويكفيها أعباء موازنة الدفاع التي تنهكها وتحتل نسبة كبيرة منها تجعل سوريا من الفئة الأولى بين دول العالم التي ترتفع فيها نسبة موازنة الدفاع بشكل كبير، وبالطبع فإن ذلك يكون على حساب تنفيذ خطط التنمية وتطوير البلاد وارتفاع مستوى حياة الناس فيها.

لا تمتلك سوريا المستوى العلمي المتطور في جامعاتها ومؤسسات البحث العلمي فيها الذي يؤهلها لامتلاك مثل هذه الصناعة أو حتى الاقتراب منها، وهيئة الطاقة الذرية السورية هي هيئة صغيرة محدودة الإمكانيات لا تمتلك مفاعلاً نووياً بأي حجم وتهتم بالدرجة الأولى بالكشف عن درجة الإشعاع في المواد الطبية والزراعية والصناعية وغيرها المنتجة في سوريا أو التي يتم استيرادها.

أما الإمكانيات البشرية العلمية. فسوريا غنية بها دون شك لكنها مهاجرة وموزعة على مختلف دول العالم، ولم تكتمل الشروط المناسبة لعودة هذه الخبرات من علماء وتقنيين، ولم يعلن أي برنامج لاستعادتهم، وبالتالي لم يعد أحد منهم إلى البلاد ليعمل في المؤسسات العلمية.

إن الأمر الأهم هو موضوع الحاجة، فما حاجة سوريا للسلاح النووي ما دامت تمتلك رصيداً من الصواريخ بعيدة المدى متطور النوعية وبكميات كافية يمكن أن تصل إلى أي نقطة داخل إسرائيل، وبالتالي فلا جدوى من امتلاكها للسلاح النووي سواء لرد أي عدوان إسرائيلي أو لخوض أي حرب مع إسرائيل.

لا شك أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعلمان علم اليقين هذه الاستدلالات والاستنتاجات وبالتالي من المفروض أن تكونا قد وصلتا إلى هذه النتائج نفسها ولا تتعدى أهدافهما من إثارة هذا الموضوع سوى ذر الرماد في العيون وخلق الصعوبات أمام السياسة السوريا، واختلاق سبل الاتهام والإلهاء والشبهات مقدمة للضغوط وفرض العقوبات والعزل.

ومن الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل سوف تتابعان سياستيهما بهدف فتح جرح في جسد سوريا لا يشفى ممثلاً بالضغوط والتنديد والتهديد والابتزاز، وفي الوقت نفسه محاولة إقناع العالم أن إسرائيل مهددة بالقنابل النووية السورية المحتملة وبالقدرات السورية على إبادتها، وتذكيره بأن المخاطر تحاصر إسرائيل من إيران وسوريا وربما من بلدان عربية أخرى مستقبلاً.

وبالتالي تفتح هذه الاتهامات الباب أمام تبرير امتلاك إسرائيل صناعة القنابل النووية وتأهيلها للابتزاز السياسي والمالي والعلمي، وتوجيه رسالة لدول المنطقة وتبرير العدوان العسكري المحتمل على المفاعلات النووية الإيرانية.

لعل هذه الاستدلالات والاستنتاجات تكذب التهم الموجهة إلى سوريا وتنفي الشبهات الأمريكية والإسرائيلية التي تصر على أن سوريا تسير في طريق امتلاك الصناعات النووية العسكرية وفرضيتهما هي أنها (عنزة ولو طارت).

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org