دخلت الخلافات بين أطراف التحالف الرباعي الحاكم في العراق مرحلة جديدة حين وسع المالكي دائرة استهدافه فشمل مجلس الرئاسة متهماً إياه بالتواطؤ مع حكومة إقليم كردستان لإضعاف دور الحكومة في بغداد ودور شخصه بالذات وصعد من اتهاماته للحزبين الكرديين واصفاً بعض ممارساتهما بكونها غير دستورية ومهدداً بكشف الكثير من الخروقات التي قاما بها في عدد من المحافظات.
وتأتي هذه الاتهامات بعد سلسلة من الأحداث والمواقف تدهورت فيها العلاقات داخل التحالف الرباعي إلى المستوى الذي لم يعد ممكناً إخفاؤه. فإضافة إلى الخلافات حول صلاحيات عقد الصفقات النفطية والمادة 140 من الدستور الخاصة بمحافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها ورغبة المالكي في إجراء تعديلات في الدستور وتشكيل الحكومة لمجالس الإسناد، برزت قضية كبيرة أخرى كشفت عنها صحيفة «الواشنطن بوست» يوم الأحد المصادف الثالث والعشرين من نوفمبر الجاري.
وهي هبوط ثلاث طائرات شحن من طراز C-130 في مطار السليمانية في شهر سبتمبر الماضي وعلى متنها حمولة من الأسلحة التي تم استيرادها من بلغاريا. ونقلت الصحيفة عن وزير الداخلية العراقي جواد البولاني قوله إن «مثل هذه الصفقة تشكل خرقاً للقانون العراقي لأن وزارتي الداخلية والدفاع لهما الحق حصرياً في استيراد الأسلحة».
الملاحظ في التصريحات النارية التي تصدر عن الطرفين، رغم أنها تُطعم بين الحين والآخر بعبارات تلطف من حدتها مثل «الأخوة» أو «الشركاء»، أنها تعكس رغبة في تصعيد الخلافات وتعميقها وليس رغبة في تجاوزها وحلها مما يضاعف من القلق لدى من استفاد من العملية السياسية الجارية في العراق والتي بنيت على أسس المحاصصة العرقية والطائفية وهي أسس أبعد ما تكون عن أسس البناء الديمقراطي.
هذه الخلافات كما يظهر على السطح تدور حول الحقوق الواردة في الدستور وإصرار التحالف الكردستاني من خلال قراءته لها على عدم المساس بما ورد في صالحه من مواد يرى فيها الطرف الآخر من خلال قراءته للدستور أيضاً غير ذلك.
إلا أن مرجع هذه الخلافات أبعد كثيراً من مجرد كونها تدور في فلك الدستور حول تفسير فقرة أو مادة معينة منه فهي خلافات ذات بعد إستراتيجي تتعلق بالرؤى التي يمتلكها كل فريق لمستقبل العراق وطرائق رسم هذا المستقبل ومفهومه للوطن والديمقراطية وقراءته لمعنى الفيدرالية. ولعل من سخريات القدر أن الدستور الذي جمعهم وأوصلهم إلى الهيمنة على مقاليد الحكم أصبح مصدر الفتنة بينهم.
ورغم أن المالكي وحزبه الصغير هو الأضعف في هذه التركيبة الرباعية التي يواجه فيها اصطفافا من الأحزاب الثلاثة الأخرى الأكبر حجماً والأوسع نفوذاً (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الكردستاني والمجلس الأعلى الإسلامي) ويواجه دستوراً شارك هو في كتابته يعزز من مواقعهم إلا أنه يستمد قوته من مواقف الكتل السياسية الأخرى غير المشاركة في الحكم والأكثر ميلاً إلى مواقفه من بعض القضايا موضع الخلاف رغم أنها على خلافات شديدة معه في قضايا كثيرة أخرى أبرزها فرديته وتهميشه للقوى الأخرى.
حاول الفرقاء في هذا التحالف الرباعي رأب التصدعات الخطيرة في جدران تحالفهم عند زيارة رئيس إقليم كردستان الأخيرة إلى بغداد حيث تم تشكيل خمس لجان لحصر الخلافات في المجالات التي تتعلق بالجيش والأمن والاقتصاد والمناطق المتنازع عليها والسياسة الخارجية.
إلا أن ذلك لم يكن في الحقيقة غير إجراء لتأجيل الانفجار وليس لمنع حدوثه، فالخلافات أعمق من أن تحل عن طريق هذه اللجان وأكبر من أن ينفرد التحالف الرباعي برسم مساراتها خاصة بعد أن وجدت الكتل السياسية الأخرى في الثاني والعشرين من يوليو المنصرم مشتركات جديدة بينها تؤهلها لحسم الموقف بنفسها ورسم خارطة سياسية جديدة يكون أول الخاسرين فيها التحالف الكردستاني.
فالعملية السياسية في العراق تمر بمأزق خطير وذلك لأنها قد بنيت على أسس غير سليمة رغم أن مظهرها يوحي للراصد عن بعد بأن الديمقراطية هي لحمتها وسداها.
ومما يزيد من خطورة هذه الخلافات أن الأجواء السياسية في العراق تسمح بترجمتها إلى صراعات عرقية بين العرب والأكراد خاصة وان هنالك من الطرفين ممن لا يخفي عداءه للآخر على أسس عرقية.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الخلافات لا تهدد بانفراط عقد التحالف الرباعي سيما وأن أطرافه على اتفاق فيما يتعلق بقضايا إستراتيجية كبيرة الأهمية فهم مع إبرام الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، إلا أن ما ينبغي الالتفات إليه في هذا الصدد هو أن موافقة أطراف هذا التحالف على إبرام هذه الاتفاقية هو لأسباب مختلفة تماماً، ففي الوقت الذي يرى المالكي إن توقيع هذه الاتفاقية أقل مرارة من قبول خيارات أخرى يرى التحالف الكردستاني في بقاء القوات الأميركية في العراق وفي إقليم كردستان بالذات ضماناً لأمنه.
فالخلافات بين أربيل وبغداد اتخذت بعداً أصبح فيه الإقليم ينظر إلى المركز كعدو محتمل يتحسب للتصادم معه وليس كشريك دائم يطمئن إليه.
فقد دعا محمود عثمان العضو البارز في التحالف الكردستاني في الثاني والعشرين من نوفمبر الجاري إلى ضرورة إعطاء الأكراد ضمانات لحل المشاكل العالقة بين الحكومة المركزية العراقية وحكومة إقليم كردستان قبل التوقيع على اتفاقية سحب القوات الأميركية من العراق.
لعب الرئيس جلال الطالباني في أكثر من مناسبة دور المهدئ والدبلوماسي المقبول في التوصل إلى حلول لخلافات كثيرة بين الكتل السياسية بحكم خبرته السياسية الطويلة وبحكم مركزه كرئيس للعراق، إلا أنه قد وجد نفسه مؤخراً طرفاً في الصراع وليس مراقباً محايداً تُقبل وساطته فيه.
فالبيان المشترك الذي أصدره الحزب الذي يتزعمه مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه رئيس إقليم كردستان حول مشروع حكومة المالكي المثير للجدل في تأسيس مجالس الإسناد العشائري في محافظات الوسط والجنوب وأخيراً في محافظة كركوك حمل لهجة تجاوزت الحدود المقبولة في الحوار الدبلوماسي بين الدول ناهيك عن الحوار بين حلفاء وشركاء في العملية السياسية.
الأجواء التي تخيم على العملية السياسية في العراق قريبة الشبه بتلك التي أدت إلى إبعاد الدكتور إبراهيم الجعفري عن رئاسة الوزارة قبل ثلاث سنوات يوم كان للتحالف الكردستاني نفوذاً لم يعد يمتلكه الآن، فمن سيرسم معالم المرحلة القادمة: التحالف الرباعي أم الآخرون؟
كاتب عراقي